تحول حركة الكاهانية الإرهابية إلى حركة شرعية ربما تشارك في حكومة نتنياهو

وهج نيوز : تسلم رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين الأربعاء النتائج الرسمية لانتخابات الكنيست الـ24، وما زالت المساعي للإفلات من الأزمة السياسية وتشكيل حكومة جديدة عملية معقدة وغير مؤكدة لكن عودة الكاهانية إلى البرلمان الإسرائيلي بدعم ورعاية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من الأمور المؤكدة التي حصلت في هذه الجولة الانتخابية الرابعة.

ومقابل معسكر نتنياهو العاجز عن تشكيل ائتلاف حكومي بسبب معارضة بعض شركائه لحكومة مدعومة من الخارج من قبل القائمة العربية الموحدة، ما زال المعسكر المناهض لنتنياهو أيضا عاجزا عن تشكيل حكومة وتبدو الخلافات بين رئيس “هناك مستقبل” يائير لابيد وبين رئيس “يمينا” نفتالي بينيت على من يتولى رئاسة الحكومة أولا يحول دون تشكيل حكومي جديد يتناوب عليه الاثنان. كما أن هناك جهات في هذا المعسكر تعارض هي الأخرى الاعتماد على دعم خارجي من نواب عرب، مما يزيد الصورة تعقيدا وينذر بالانجرار لجولة انتخابات خامسة رغم أن الإسرائيليين يرون بذلك كابوسا.

كذلك هناك أمور أخرى واضحة ومؤكدة أفرزتها هذه الجولة منها نجاح الكهانية المتجددة ممثلة بحزب “قوة يهودية” (عوتسما يهوديت) برئاسة إيتمار بن غفير في الانتقال من الشارع ومن ميادين المواجهات الصاخبة والعنيفة مع الفلسطينيين أو مع الشرطة، إلى الكنيست من خلال حصول حزب “الصهيونية الدينية”، بمركباته الثلاثة وهي الاتحاد الوطني وحركتي “نوعم” و”قوة يهودية”، على ستة مقاعد.

النتنياهواوية والكهانية

وكان يمكن للحدث السابق أن يكون عارضا وفجائيا من دون دلالات كبيرة، لو أنه اقتصر على نجاح فردي، نتيجة استغلال ثغرة قانونية هنا أو هناك، أو لنجاح مرشح ما في الاندساس ضمن قائمة مؤهلة للنجاح، لكن الأمر هذه المرة جرى بدعم وتشجيع مباشر ومثابر من قبل رأس السلطة السياسية في إسرائيل، بنيامين نتنياهو، الذي لم يكتف بخطوة حضّ المركبات الثلاثة على التوحد والاندماج، حتى لا تضيع أصوات جمهورها هباء منثورا، بل إنه وقّع اتفاقية لتبادل فائض الأصوات مع هذه الحركة ودعا لدعمها أيضا لضمان نجاحها.

تدل هذه الإشارات على أن قائمة “الصهيونية الدينية” ومن ضمنها أتباع كهانا وتلامذة سفاح مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل باروخ غولدشتاين، هي ملحق أو خزان احتياطي لحزب الليكود، تساهم في اصطياد الأصوات الهاربة من حزب نتنياهو، بدل أن تذهب لاتجاهات مناوئة أو منافسة لا يؤمن جانبها في المعركة الأساسية التي وسمت هذه الجولة الانتخابية بسماتها، وهي معركة بقاء نتنياهو أو الإطاحة به.

وتأكيدا على متانة العلاقة بين الليكود و”الصهيونية الدينية”، وإدراك تميزها عن علاقة الليكود بباقي الأحزاب اليمينية تصف الكاتبة رافيت هيخت في مقال لها في “هآرتس” بأن حكم اليمين في إسرائيل بات يعتمد على ساقين اثنتين هما البيبية (نسبة إلى نتنياهو) والكهانية. لكن هذا الاتجاه يبدو مقلقا وغير مطمئن لبعض الأوساط الإسرائيلية، ويلاحظ الكاتب أنشيل بيبر في مقاله في “هآرتس” في اليوم التالي للنتائج أن نتنياهو، ومعه إسرائيل، يذهبان في اتجاه معاكس تماما لاتجاه ثاني أكبر تجمع يهودي في العالم، أي الولايات المتحدة، فالتجمع الأول يذهب باتجاه “الصهيونية الدينية” والتطرف والأصولية اليهودية، بينما يهود الولايات المتحدة بأغلبيتهم الساحقة (80 %) اختاروا جو بايدن الديمقراطي على حساب دونالد ترامب، وهذا سيسبب شرخا عميقا بين أكبر تجمعين يهوديين في العالم.

حركة مصنفة إرهابية

يشار إلى أنه سبق للحكومة الإسرائيلية أن صنفت حركة “كاخ” (هكذا) كحركة إرهابية، وأخرجتها من دائرة القانون في العام 1994 بعد وقت قصير من ارتكاب أحد أعضاء الحركة وهو الطبيب باروخ غولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل والتي راح ضحيتها عشرات الفلسطينيين.

وهذه الحركة التي أسسها الحاخام مئير كهانا (قتل في نيويورك العام 1990 على يد المصري الأصل سيد نصير) هي امتداد لحركة عنصرية يهودية أسسها كهانا في الولايات المتحدة باسم رابطة الدفاع اليهودية في مطلع السبعينيات. ويشار أيضا إلى أن كهانا انتخب لعضوية الكنيست الحادي عشر بين عامي 1984 و1988 على رأس حركته هذه، لكن المحكمة العليا الإسرائيلية منعت كهانا وحركته كاخ من خوض انتخابات الكنيست الثاني عشر بسبب آرائه العنصرية المتطرفة وتحريضه على العنف ضد غير اليهود.

ومن تعاليم الحاخام كهانا القول “إن تعاسة إسرائيل وجميع متاعبها ناجمان عن الفلسطينيين العرب، واليهود المتغربين عن يهوديتهم، فالفلسطينيون خطر على الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وهم كمجموع يتكاثرون كالبراغيث، وإذا لم يعالج أمرهم فسوف يصبحون بمرور الوقت أكثرية في البلد، ويغيرون القوانين لينهوا إسرائيل كدولة يهودية، وهم كأفراد يلوثون الشعب اليهودي بملاحقتهم الفتيات اليهوديات، وينتزعون لقمة العيش من أبناء الشعب اليهودي بمنافستهم على أماكن العمل، بأجورهم الرخيصة”.

وكان كهانا داعية صريحا للعنف ضد العرب والفلسطينيين، وهو القائل “إذا كانت الدولة غير قادرة، أو غير راغبة في الرد بالمثل على من يريق الدم اليهودي فمن واجب الأفراد فعل ذلك بأنفسهم”.

“كهانا حيّ”

وينوه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) إلى أن حركة “كاخ” انقسمت بعد مقتل زعيمها ومؤسسها مئير كهانا إلى قسمين، الأول هو الذي احتفظ باسمه الأصلي وكان مركزه في مستوطنة كريات أربع، وبرز من بين أعضائه كل من باروخ مارزل ونوعام فريدمان والقاتل باروخ غولدشتاين، والقسم الثاني كان بقيادة بنيامين كهانا نجل مؤسس الحركة، وكان مركز هذا القسم في مستوطنة تبواح جنوبي نابلس، موضحا أن شخصية كهانا لا تزال تمثل أيقونة تجذب شبيبة المستوطنات والتيارات ذات التوجهات العنصرية والعنيفة المتطرفة، ويمكن العثور، وخاصة في أوقات الأزمات والتوترات، على شعارات مطبوعة على الجدران في مختلف المدن الإسرائيلية تقول “كهانا حي” أو “كهانا كان صادقا” مع صورة تخطيطية لمؤسس هذه الحركة.

شخصية كهانا لا تزال تمثل أيقونة تجذب شبيبة المستوطنات والتيارات ذات التوجهات العنصرية والعنيفة المتطرفة

ويتابع “ليس بالضرورة أن تكون كل الأعمال الإرهابية اليهودية ولا معظمها نفذت على أيدي جماعة “كاخ” أو جماعات مرتبطة بها تنظيميا، فقد ساهمت “كاخ” كغيرها من جماعات “الصهيونية الدينية” في إشاعة مناخات الاستعلاء اليهودي وكراهية العرب والدعوة إلى طردهم، وظهرت في هذا السياق جماعات قريبة ومتكاملة مع “كاخ”، وبعضها كانت ذات أهداف ملموسة ومحددة مثل “غوش إيمونيم” التي كانت حركة علنية واسعة هدفها تشجيع الاستيطان. كذلك هناك حركات أكثر تخصّصا مثل جماعة “أمناء جبل الهيكل” التي حصرت أهدافها في هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث المزعوم مكانه، كما ظهرت جماعات سرية متخصصة في أعمال العنف كجماعة “إرهاب ضد الإرهاب” (تي إن تي) المسؤولة عن تفجير سيارات ومحاولة اغتيال عدد من رؤساء البلديات الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

عنصرية واستعلائية

يصنف بعض المتابعين للشأن الإسرائيلي حزب “الصهيونية الدينية” كجزء من الأحزاب الدينية القومية، لكنه في الحقيقة مختلف، ولعله لا يأخذ من الدين إلا ما يعزز اتجاهاته العنصرية والاستعلائية والإيمان بالتميز الجوهري لليهود عن بقية البشر، وذلك هو الأمر عينه الذي فعلته الصهيونية التقليدية، أي صهيونية هرتسل ومن تبعه من مختلف الاتجاهات، مع الدين.

ويؤكد “مدار” هنا أن ما يغلب على أداء هذه الجماعات القريبة من “كاخ” وفكرها، هو سلوكها اليومي الذي يجسد أكثر أشكال العمل السياسي تطرفا وعنصرية، من خلال الدعوة إلى تهجير العرب والفلسطينيين وطردهم من “أرض إسرائيل”، كما يتقاطع الأداء السياسي لهذه الجماعات ويتداخل مع سلوك الجماعات الخارجة عن القانون، وعصابات الإجرام على شاكلة جماعات “شبيبة التلال”، وجماعات “تدفيع الثمن”.

وتعتبر الكهانية في إسرائيل تيارا وليست مجرد حركة منظمة لها هيئاتها وسجلّ أعضائها، ولكونها كذلك فإن أفكارها منتشرة لدى فئات أوسع بكثير ممن يحسبون عليها كأعضاء أو ناشطين، ويمكن بكل سهولة أن نعثر على “الثقافة” والسلوك الكهاني لدى كثير من منتسبي أحزاب الليكود و”إسرائيل بيتنا” و”يمينا” و”أمل جديد” وغيرها من الأحزاب.

كما لدى مجموعات صغيرة منتشرة في أماكن كثيرة وليست مترابطة بالضرورة، كالمجموعات التي تشن هجمات منظمة ودائمة على القرى الفلسطينية فتخرب المزروعات وتسمم المواشي وترتكب جرائم قتل فظيعة مثل جريمة إحراق عائلة دوابشة، وجريمة خطف وقتل الطفل محمد أبو خضير. كذلك في الدعاية السياسية والبرامج هناك أفكار كهانا من قبيل الدعوة إلى تهجير مواطني قرى المثلث منتشرة لدى كثير من الأحزاب والسياسيين، التي وجدت لها صدى ليس في دعاية ووثائق حزب “إسرائيل بيتنا” فقط، بل حتى في وثيقة “صفقة القرن” التي طرحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

متخصص في الدفاع عن القتلة

ويستذكر “مدار” أن السيرة الذاتية لإيتمار بن غفير تمثل سيرة عادية لشاب نشأ في أجواء التطرف، وتشبع بأفكارها، ووجد بيئة متكاملة ومواتية لنمو أفكاره من فتى عنيف إلى سياسي يتبنى العنف كمنهج. بن غفير هو محام (44 عاما)، متزوج وأب لستة أولاد، ولد لأبوين قادمين من كردستان العراق، ونشأ في مستوطنة “مفاسيرت تسيون” غربي القدس، ويقيم الآن في “غفعات هأبوت” الواقعة ضمن مستوطنة كريات أربع في الخليل.

اشتهر بن غفير بدفاعه عن المتهمين بارتكاب جرائم وأعمال عنف ضد الفلسطينيين مثل المتهم الرئيسي بحرق عائلة دوابشة، كما دعا مرارا للإفراج عن يغئال عمير، قاتل رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحق رابين.

وسيرة حياة هذا السياسي الصاعد حافلة بالأحداث المثيرة والمواجهات مع الشرطة ومع أجهزة الدولة وحتى مع وسائل الإعلام وعرف بآرائه المتطرفة منذ فتوته وشبابه المبكر، حيث انضم لحركة “كاخ” في سن السادسة عشرة، وقد أعفي من الخدمة في الجيش بسبب آرائه المتطرفة، ودخل في سجالات ومشاكسات عديدة، ووجهت له العديد من لوائح الاتهام بجرائم الشغب والتحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية. كما منعته نقابة المحامين من الانضمام لها بسبب ماضيه الإجرامي، لكنه استأنف ضد القرار وفاز في دعواه وانضم للنقابة عام 2012.

سبق لبن غفير أن خاض معركة قضائية مثيرة ودعوى تشهير مع الصحافي أمنون دانكنر الذي وصف الشاب المتطرف، خلال حلقة لبرنامج “بوبوليتيكا” العام 1995، بأنه نازي صغير تعقيبا على مشاركة بن غفير في المظاهرات المنددة بإسحق رابين التي شبهته كضابط نازي وعبّأت الأجواء لاغتياله. دانكنر كسب القضية في البداية، لكن بن غفير واصل الاستئناف حتى كسب القضية وحصل على تعويض رمزي.

يبدو أن حرص بن غفير على دخول عالم السياسة دفعه للتخفيف من غلوائه وتطرفه المعلن على الأقل، فقد تخلص من صورة الطبيب القاتل باروخ غولدشتاين التي كان يعلقها في غرفة جلوسه، وبات يبدي مزيدا من الاعتدال في مقابلاته فأعلن أنه لا يكره جميع العرب بل يعادي أحزابهم المتطرفة والإرهابيين منهم لكنه ظل يدافع عن قاتل رابين بزعم أن الحكومة أفرجت عن إرهابيين قتلة (يقصد الفلسطينيين) ومن باب أولى أن يتم الإفراج عن يغئال عمير.

ورغم كل ذلك يبدو أن هناك خيارا بأن تدعم القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية) حكومة يشكلها نتنياهو مع “يمينا” برئاسة نفتالي بينيت و”الصهيونية اليهودية” لكن مثل هذه الحكومة مرشحة للسقوط مبكرا لأن جمهور الحركة الإسلامية لن يقبل استمرار حكومة الاحتلال بانتهاك حرمة الحرم القدسي الشريف أو شن عدوان جديد على غزة مع بقاء دعم الموحدة لها بأي شكل من الأشكال.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.