من أريحا إلى رأس العين

أ. د. إبراهيم صبيح ….

 

ولدت في أريحا على يدي الداية ياسمين التي لم تسنح لي الفرصة للقائها أو التعرف عليها. كنت الابن البكر لوالدي الذي أنجبت له زوجته الأولى بنتين ثم أنجبت له والدتي (الزوجة الثانية) بنتين ثم جئت أنا إلى هذه الحياة ففرح والدي فرحاً شديداً. قيل لي أن والدي كان يربي خروفاً في بستان الدار استعداداً لذبحه عند قدوم المولود الجديد. قيل لي كذلك أن والدي استبشر خيراً عندما رقص الخروف وقفز كثيراً ليلة مولدي ولعله كان خوف الخروف من لقاء السكين. أكثر ما أذكر عندما كنت طفلاً يمشي في شوارع أريحا هو رائحة الياسمين والليمون والبرتقال. الرائحة العبقة تحوم بالهواء من حولك وتعطر ثيابك وتدخل في مسامات جلدك. قرب الدير المطل على دوار أريحا تدخل شارعاً فرعياً حيث تجد هناك المنزل المستأجر الذي كنا نسكنه محاطاً ببستان كبير. يبعد بيتنا مائتي متر عن وادٍ عميق كان يتحول إلى نهر جارف أيام شتاء أريحا القليلة. أخبرتني والدتي أنني غرقت في ذلك النهر ذات شتاء عندما اصطحبتني مع جاراتها في نزهة على ضفة النهر. غفلت عني والدتي لثوانٍ سقطت خلالها في النهر الجارف. صرخت والدتي فتدافع الجيران يركضون على ضفة النهر يطاردون ملابسي التي تطفو وتغطس في الماء. لم ينقذني سوى عابر سبيل قفز في النهر على بعد مئات الأمتار من مكان سقوطي وقام بتسليمي إلى جدي المسكين الذي كان يرتجف برداً وهلعاً. اذكر بيوت جيراننا جيداً: بيت أم حنا عمار على تلة مطلة على الوادي وأذكر بيت أبو سلمان الغوراني وإبراهيم الساحوري بجانب منزل أبو موسى عريقات الذي كان يعزف على العود في أمسيات أريحا الجميلة. أذكر الشاحنة التي كان يقودها والدي من طراز دودج والتي كان لابد من استخدام قطعة من الحديد (المانويلا) تدخل في هيكل السيارة من الأمام وتلف بسرعة حتى يدور المحرك. أذكر كذلك دكان بن إزحيمان حيث كان والدي يوصيني أن أطلب دائماً زيادة حب الهيل عند شراء القهوة. أذكر ستوديو تصوير كان يديره أرمني يدعى اكجيان. أذكر كراج أبو حسن التوتنجي وموقف الباصات في مركز المدينة المحاط بباعة البرتقال والموز. أذكر دار السينما التي كانت تعرض أفلام كارم محمود وسامية جمال وفريد الأطرش وأذكر اسم مدرستي (مدرسة الروضة) واسم معلمتي (سعاد) وأذكر صاحب محطة الوقود وابن صاحب محطة الوقود الذي كان يدرس معي والذي ضربته علقة ساخنة بأمر من والدي لأنه كان يضايقني في المدرسة. أذكر قصر هشام وجبل قرنطل ومخيم عقبة جبر الذي تجري بداخله قناة ماء سريعة سقطت فيها ذات مرة وأنقذني عابر سبيل آخر فتركت تلك الحادثة في قلبي خوفاً شديداً منعني من الاقتراب من الماء أو تعلم السباحة إلى ما قبل سنوات قليلة. أذكر عيادة الدكتور عبدالرحيم بدر (الطبيب والمهتم بالفلك) وكيف أغمي علي خوفاً عندما أعطاني حقنة التطعيم من الجدري والتي تركت أثرها على ذراعي حتى الآن. أذكر بقج الملابس التي كانت توزعها علينا وكالة الغوث الدولية. كانت والدتي تستلم مخصصات الأسرة من صابون وأرز وسكر مع البقجة وتعود بها حيث يتجمع أهل البيت لفتحها ومعرفة ما فيها من ملابس. كانت البقجة تلف داخل منشفة كبيرة ولذلك تجمع لدينا مناشف كثيرة بألوان متعددة كان جدي يستخدمها ليفرشها أمامه على الأرض ليؤدي فروض الصلاة.
انتقل والدي بحكم عمله كسائق شاحنة إلى عمان فتركنا بيتنا في أريحا ورحلنا إلى منطقة رأس العين، حي المهاجرين. كانت رأس العين جنة غناء بعيون ماء كثيرة وزهور وخضرة تسحر العين. كان بيتنا يقع على رأس الجبل المطل على رأس العين وكنا نستطيع من هناك أن نرى سيل عمان والمستشفى الإيطالي. أذكر جارنا أبو نايف الحنيطي الذي قام بإهدائنا خروفاً لنذبحه في عيد الأضحى. كم خفت عندما شاهدت لأول مرة خروفاً وهو يذبح. لا زلت أذكر دمه ينساب ولازلت أسمع صوت حشجرته وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. كم خفت أيضاً من صوت المسحراتي. كنت أظن المسحراتي غول بشع فألتصق بحضن والدتي عندما أسمع قرع طبوله. أحس والدي بخوفي فأيقظني للسلام عليه فعرفت أن المسحراتي بشر مثلنا. لم أشعر بالغربة عندما انتقلت من أريحا إلى رأس العين فالأهل هم الأهل والجيران هم الجيران. أحسست عندها أنني انتقلت من غرفة في منزلنا إلى غرفة أخرى بلا خوف وبلا حدود. رحم الله أيام زمان.
أ. د. إبراهيم صبيح
Email: [email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.