ميدل إيست أي: الديمقراطية عادت لأمريكا لكن واشنطن غضت الطرف عن الانتهاكات في العالم العربي

وهج نيوز : قال محرر موقع “ميدل إيست آي” في لندن، ديفيد هيرست، إن الديمقراطية انتصرت في الولايات المتحدة وعلى إدارة جوزيف بايدن دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن أحداث الشغب في الكابيتول هيل بواشنطن هزت الولايات المتحدة حتى النخاع. إلا أن واشنطن أعربت عن سعادتها وأشاحت بوجهها عندما أسقط الرعاع زعيما انتخب ديمقراطيا. وأضاف أن الأمر لا يقتصر على هوليوود، فأمريكا تحب النهايات السعيدة. فقد هرب الرجل الشرير بعدما عاث فسادا وترك وراءه إمبراطوريته محطمة. وظل حيا لسبب وهو أنه قد يطلب منه إتمام ما بدأه.

وفي هذه الدراما فقد عاد الرجل الطيب واحتل المكان الذي يستحقه، وتم إنقاذ أمريكا وعاد الجميع إلى موائد الطعام وتنفسوا الصعداء.

 وتخيل لو قام الممثل بروس ويليس بالتقدم ودخل البيت الأبيض وهو يترنح من كثرة الجراح والندوب التي عانى منها بعد معارك طويلة والدخان لا يزال ينبعث من مبنى الكابيتول لكننا شاهدنا فيلما من سلسلة “داي هارد-6”.

 وكانت لعبة بايدن الأخلاقية وعودته إلى السلطة حلقة مسجلة من قبل، حيث اشترك الرؤساء السابقون بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما في لقطة جماعية على شاشة التلفزة وفي ساعات الذروة.

وقال بوش “أعتقد أنه لو أحب الأمريكيون جيرانهم لأحبوا أنفسهم، ولانتهى الكثير من الانقسام في مجتمعنا”.

وعلق أوباما “علينا أن نستمع للناس الذين نتفق معهم ولمن لا نتفق معهم”. ورد كلينتون “هذه بداية جديدة”. وكل هذا يدعو للفرح ويطمئن، إلا أنه يدعو كل بيت أمريكي استمع لهذا الكلام أن يفقد ذاكرته؛ لأن الرجال الثلاثة قاموا معا بتخريب نظام ما بعد الحقبة السوفييتية. فقد خسر كلينتون روسيا وبوش خسر العراق وأوباما خسر ليبيا وسوريا. وضاعت تلك الفرصة التي قد لا تسنح إلا مرة في حياة الجيل أي فرصة تحقيق الاستقرار ونزع السلاح وفض النزاع، وكل ذلك من أجل الخصوصية الأمريكية.

ويقول هيرست إن أهل بلدة سكرانتون- بنسلفانيا التي جاء منها بايدن ليست لديهم ذكريات جميلة بعدما خسروا وظائفهم عندما وقع كلينتون اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا). ولو كان هناك أساس لصعود المليشيات التي تؤمن بتفوق العنصر الأبيض لكان هذا. ومن هنا كان انتقال السلطة في واشنطن محملا بالكثير من الدلالات. فعملية التنصيب الأخيرة كانت، كما رأينا تعني أكثر بكثير من مجرد خروج رئيس ودخول آخر.

عملية التنصيب الأخيرة كانت، كما رأينا، تعني أكثر بكثير من مجرد خروج رئيس ودخول آخر.

فقد قيل لنا إن خطاب بايدن كان يحمل ظلالا من خطابات أبراهام لينكولن، وإن الأعلام الأمريكية التي خفقت في المجمع الوطني كانت رموزاً للثبات والتصميم، وإن الحرس الوطني الذي أمن الحفلة كان يحمي البلاد من نفسه وإن الديمقراطية سادت ليوم آخر.

 ويعلق هيرست قائلا: لا أقلل من هذه المشاعر ولا من الاعتقاد السائد بأن ترامب عرض الديمقراطية للخطر، صحيح أنه لم يكن يهتم بأي شيء سوى نفسه، فهو بلا شك يستحق الحساب على ما ارتكبته يداه عندما كان في الحكم.

ويقارن الكاتب هنا بين الحديث المتحمس عن انتصار الديمقراطية الأمريكية ضد ضربات ترامب وأتباعه وموقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة المستهين بنفس القوى الديمقراطية والتي قطعت لها الوعود الكاذبة عندما كانت تحاول التعبير عن نفسها سواء في مصر أم بقية أنحاء العالم العربي.

 وهنا علينا أن نتذكر ما أطلق عليه الربيع العربي وفي الذكرى السنوية العاشرة لانطلاقته واعتباره مناسبة للتدبر في الموقف الأمريكي.

ففي الوقت الذي فشل فيه ترامب في انقلابه على الديمقراطية الأمريكية إلا أن عبد الفتاح السيسي نجح في ذلك في مصر عام 2013. وكانت المذابح التي ارتكبت في ميدان رابعة بالقاهرة وهجمات النظام السوري بالأسلحة على غوطة دمشق التي كانت تسيطر عليها المعارضة، والمفارقة أن الحدثين وقعا في آب/أغسطس 2013، وكانا سببا في وقف الانتفاضات السلمية بعد عامين اثنين من انطلاقها.

في الوقت الذي فشل فيه ترامب في انقلابه على الديمقراطية الأمريكية إلا أن عبد الفتاح السيسي نجح في ذلك في مصر عام 2013

صحيح أن الإدارة الأمريكية التي كان بايدن فيها نائبا للرئيس علقت مبيعات الأسلحة إلى مصر لمدة عامين، ولكنها رفضت وصف الإطاحة بأول رئيس منتخب في مصر، محمد مرسي، بالانقلاب العسكري، رغم أن ما جرى في مصر ذلك الوقت كان انقلابا، ولم يكن ثورة ثانية، وقام على الكذب.

 فإذا كان ترامب قد بنى حكمه على الكذب، فقد فعل السيسي ذلك أكثر منه، وما زال يفعله حتى يومنا هذا. وظلت الأكاذيب تراكم ضد مرسي بدون توقف حتى قبل وقت طويل من انقلاب 2013، ومنها الادعاء بأنه باع قناة السويس لقطر وأن زوجته شيدت بركة شخصية داخل القصر وأنه عبأ إدارته بعناصر من مناصريه وأنه كان ينفذ أجندة أمريكية صهيونية، وأن أوباما كان عضوا متسترا في جماعة الإخوان المسلمين.

وزعموا في يوم الانقلاب أن 32 مليون مصري خرجوا إلى الشوارع، ولو صح ذلك لكان يعني ثلث عدد سكان البلاد. والآن نعرف من شهادات الذين شاركوا في أحداث ذلك اليوم أنه تم تلفيق مشاهد التلفزيون وأن ما عرض على الشاشات شمل أيضاً صوراً لمظاهرات مضادة نظمها أنصار مرسي. وكان الغرض من التلفيق الإيحاء بأن البلد بأسره كان متحدا في معارضته للرئيس. بل ونعرف أكثر، أن السيسي لم يتحرك ضد مرسي إلا بعد وعد دول الخليج له بعشرين مليار دولار وأن حركة تمرد، التي أنشئت لكي تحشد ضد مرسي، كانت تتلقى المال من الإمارات العربية المتحدة وكانت صنيعة المخابرات العسكرية المصرية.

لقد تعرضت الديمقراطية لتخريب في كل من مصر وأمريكا. ووصف ترامب بأنه فاشي بارز لعدد أكاذيبه التي ذكرت بأكاذيب هتلر وموسوليني وتشكيل وتحريض مجموعة متطرفة من الرعاع. وبخلاف النازية والفاشية كان ينقص ترامب الأيديولوجيا اللازمة لصياغة أهداف سياسية. فحينما وصل الرعاع إلى داخل مبنى الكابيتول لم يعرفوا ماذا يفعلون. ولكن الفرق بين ما جرى في كابيتول هيل في 2020 وما جرى في القاهرة في 2013 نابع من أن وسائل الإعلام الأمريكية تعرفت منذ البداية على الخطر الذي أوشك ترامب أن يعرض البلاد له. وهي نفس الوسائل الإعلامية التي غضت الطرف عندما أطاحت مجموعة من الرعاع برئيس منتخب بطريقة ديمقراطية. بل ووصف رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير ما جرى بأنه تمرد شعبي.

لا أحد ينكر أن مظاهرات شعبية كبيرة نظمت ضد مرسي في عام 2013، ولكن كانت هناك أيضاً مظاهرات كبيرة نظمت ضد بايدن بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية في 2020. وصوت ما يزيد عن 74 مليون أمريكي لترامب، نصف هؤلاء كانوا يعتقدون أنه فاز في الانتخابات. وهناك نسبة أقل، 45 بالمئة، أيدت أحداث الشغب في الكونغرس. وهذه ليست نسبا بسيطة. وفي مصر، لم يكتف الليبراليون العلمانيون ببلع صنارة الدعاية العسكرية، الخيط والخطاف معاً، بل راحوا يضيفون إليها. فعلاء عبد الفتاح أحد نشطاء ميدان التحرير، ووالدته ليلى سويف، طالبا بفض اعتصام رابعة وزعما أن الإسلاميين كانوا “مسلحين بأسلحة ثقيلة”. ومما قاله علاء عبد الفتاح حينذاك: “هذا اعتصام مسلح بأسلحة ثقيلة… هذا لا يوجد له حل سياسي…. والحل لهذا هو الأمن. من الواضح أنهم جاءوا بدون خطة، على الأقل، على الأقل، الجموهم”.

وما وقع بعد، وحسب تحقيق موسع أجرته منظمة “هيومان رايتس واتش”، كان أسوأ مذبحة ترتكب بحق مدنيين عزل في يوم واحد منذ مذبحة ميدان تيانانمين (في الصين)، وربما أسوأ، إلا أن العالم لم يهتم. ولم يلبث علاء عبد الفتاح ووالدته وشقيقته، أن وجدوا أنفسهم مستهدفين من قبل القوات التي ساهموا في وصولها إلى السلطة. اعتقل علاء عبد الفتاح في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، واتهم بالتظاهر بدون إذن وبالاعتداء على ضابط شرطة، وفي عام 2015 حكم عليه بالسجن خمسة أعوام لانتهاكه قانونا يحظر الاحتجاجات غير المرخصة. وأطلق سراحه في 2019 ولكن بشروط حتمت عليه أن يقضي ليالي في مركز للشرطة، ثم ما لبث أن ألقي القبض عليه ثانية في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، وبعدها قالت عائلته إنه تعرض للضرب والسرقة داخل سجن طرة.

والقائمة طويلة من الليبراليين الذين ابتلعوا طعم الجيش، وعلى رأسهم السياسي محمد البرادعي الذي دعم الانقلاب ضد مرسي، ولاذوا بالفرار من البلد بعد مذبحة رابعة. وما لبث البرادعي أن وصم بالخيانة وبأنه طعن مصر في الظهر. ويقول هيرست إن الأكاذيب لا تشوه فقط الديمقراطية الأمريكية بل وتسيء للديمقراطية والاستقرار في كل مكان. ووعد بايدن بإنهاء علاقة الغرام بين أمريكا والحكام المستبدين وتعهد بألا تمنح الولايات المتحدة مزيدا من الشيكات المفتوحة للسيسي الذي وصفه ترامب بـ “ديكتاتوري المفضل”. لكن التخلص من عادة دعم الطغاة وبيع السلاح لهم ليست ببساطة إطلاق الشعارات.

عندما شعر المستبدون العرب، وعلى رأسهم حكام الإمارات والسعودية، بأن ترامب رهان خاسر اختصروا المسافات وتواصلوا مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأطلقوا موجة من تطبيع العلاقات

وعندما شعر المستبدون العرب، وعلى رأسهم حكام الإمارات والسعودية، بأن ترامب رهان خاسر اختصروا المسافات وتواصلوا مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأطلقوا موجة من تطبيع العلاقات. واستندوا على منطق فج وبسيط وهو أنه إذا كانت إسرائيل هي البوابة التي يمكن من خلالها لأمير سعودي مغمور وطموح، أي محمد بن سلمان، أن يبدأ علاقة شخصية مع عشيرة ترامب ويصل إلى السلطة، فإسرائيل أيضاً هي بوليصة التأمين على الحياة فيما لو رحل ترامب.

وفي هذا السياق يؤيد بايدن اتفاقيات إبراهيم التي أضفت صفة رسمية على الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل والعلاقات التجارية معها لكن على إدارته ألا تخدع نفسها، لأن الاتفاقيات هي نتاج مفاوضات بين طغاة وجواسيس ويقف وراءها أسوأ الطغاة في الخليج والجناح العسكري في حكومة السودان الانتقالية الهشة، ومن قبل ملك المغرب ورئيس وزرائه الخانع. وتعارضها الغالبية العظمى من القوى السياسية الديمقراطية ومن قبل الشعوب العربية.

 ولو أن أياً من الشعوب التي وقعت حكوماتها صفقات تطبيع مع إسرائيل سمح لها بأن تعبر عن إرادتها، فسوف ترمي بمشروع التطبيع مع إسرائيل. ويرى هيرست أن ثوار يناير 2011 في مصر دفعوا ثمنا باهظا مقابل ثورتهم ورغم أن كثيرين منهم الآن يحسبون أنفسهم جيلاً ضائعاً، إلا أن النضال من أجل الديمقراطية لم يمت. وما زال جمر الثورة متقداً تحت أقدام كل واحد من الطغاة العرب. فقد تم قمع الموجة الأولى من الربيع العربي فقط من خلال استخدام مفرط للقوة في كل أنحاء العالم العربي.

وبعد عشرة أعوام، ما تزال الثورة المضادة تجد صعوبة بالغة في الاحتفاظ بسيطرتها على الأوضاع، فتكاليفها باهظة وإجراءاتها العسكرية غاية في العقم. وفشلت في ليبيا عندما هزمت قوات الجنرال خليفة حفتر أمام العاصمة طرابلس وارتدت على أعقابها إلى سرت. وفشلت في تركيا عندما تصدى الشعب التركي وجميع أحزابه السياسية للعسكر واشتبكوا معهم في الشوارع وتغلبوا عليهم. وفشل اللوبي الذي أنفق الملايين بإقناع الكونغرس الأمريكي بأن محمد بن سلمان زعيم إصلاحي حينما قررت وكالة المخابرات الأمريكية (السي آي إيه) أنه يقف بدرجة متوسطة وعالية من الثقة وراء “جريمة قتل صديقي وزميلي جمال خاشقجي”.

وفي النهاية فشلت الثورة المضادة في تقديم صيغة حكم مستقرة وتأمين اقتصاد قوي لشعوب المنطقة. وإذا كان الحكام المستبدون قد أخفقوا في رهانهم على ترامب، فإنه ينبغي على بايدن ألا يراهن على بقائهم في السلطة. فهم يتمسكون بالسلطة طالما قمعوا وقهروا شعوبهم. ولا يستطيعون رفع القيود المفروضة على الحريات. وليس بوسعهم تقبل فكرة انتقال السلطة إلى منافسيهم، ولو كانوا حتى من داخل نفس المؤسسة العسكرية، فهم يعلمون أنهم بمجرد أن يفعلوا ذلك فإنهم سيضعون رقابهم ورقاب أقرب الناس منهم تحت المقصلة.

وولدت جرائمهم الفظيعة بركاناً من السخط عليهم. ولعلهم ينتظرون مصيراً مثل مصير دكتاتور ليبيا معمر القذافي الذي انتهى به المطاف أن يزحف على بطنه ليلوذ بأنبوب للمجاري قبل تصفيته. وينبغي على بايدن أن يدرك أن الشرق الأوسط المبني على أنظمة يديرها ملوك ومستبدون عسكريون سيبقى عرضة للاشتعال. إذا كانت الديمقراطية جيدة بما يكفي للأمريكيين فإنها أيضاً جيدة بما يكفي للمصريين والسوريين والليبيين والمغاربة والعراقيين واليمنيين والأردنيين.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.