فورين بوليسي: ترامب فشل في الشرق الأوسط.. إنجازات قليلة ولكن بدون استراتيجية

وهج 24 : لخّّص المعلق والزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ستيفن كوك، في مقال نشره بمجلة “فورين بوليسي” إنجازات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط بكلمة واحدة وهي “الفشل”.

وقال إن الرئيس حقق حفنة من الإنجازات لكنها لا تصل إلى حد الإستراتيجية.

وذكّر بأول مقال كتبه في المجلة وكان بعنوان “سياسة ترامب الشرق أوسطية مملة بالكامل”، ولم يكن يهدف من هذا المقال لتقديم إطار فكري لسياسة البيت الأبيض الخارجية بقدر إظهار تفاهتها.

فلو جردت السياسة من جانبها المسرحي والمحددات فيها خاصة المتعلقة بترامب الذي لم يمض عليه إلا عام في الحكم، فالسياسة الخارجية تلك كانت تشبه إجماع الحزبين في الكونغرس على دعم إسرائيل والتشدد مع إيران ودعم الدول الحليفة مع أمريكا بعيدا عن طبيعة أنظمتها.

وبعد ذلك المقال، أرسل إليه مراقب جيد للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط رسالة إلكترونية ذكره قائلا: “يا رجل إنك تحاول منح انسجام كبير على تفكير الإدارة بما يتعلق بهذه الموضوعات”. وبالعودة إلى الوراء، فقد كانت ملاحظة صديقه في محلها. والطريقة الوحيدة لوصف سياسة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط هي “استراتيجية غير متماسكة”. والمشكلة في نهج ترامب تجاه الشرق الأوسط ليست عدم التماسك ولكن الجودة المتفرقة لمواجهته مع الشرق الأوسط.

وهذا ما تحصل عليه عندما يكون لديك رئيس يعتمد على غرائزه أكثر من أي شيء، بشكل يقوّض السياسة الخارجية التي تقوم على المدارسة والتفكير.

وزاد من سوء الوضع في نهج ترامب هو اعتماده على ما يصفه بنهج “سوزان الكسولة” للعالم. وصواني “سوزان الكسولة” كانت معروفة بالمطاعم الصينية بفترة السبعينات وربما لا تزال، حيث يتم وضع الصحون على الصينية الخشبية الدائرية وسط الطاولة، ويتم تحريكها للحصول على حصة من كل وجبة مقدمة. وكطفل، يقول كوك إنه استمتع بتحريك الصينية، وأخذ ما يريد من كل صحن يقف أمامه قبل أن يحركها باتجاه الجالس إلى جانبه. وبهذه الطريقة تعامل الرئيس مع السياسة الخارجية، ففي حركة يتعامل مع سوريا، حيث يشغل موضوعها تفكيره ليوم أو يومين قبل أن يتحرك مرة ثانية إلى فنزويلا، وبعد ذلك للناتو ويحرك الصينية باتجاه العراق وكوريا الشمالية وهكذا.

صحيح أن ترامب ليس الوحيد في واشنطن الذي لم يستطع تقديم رؤية واضحة عما تريده الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، ولكنه يظل الشخص الذي ترك تداعيات من بين المجموعة التي حاولت. فدخوله وخروجه العشوائي من نزاع إلى آخر زاد من مخاطر عدم الاستقرار في المنطقة. وقال الرئيس إنه يرغب بوقف التورط الأمريكي في الحروب اللانهائية وعمل على تخفيض الوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان.

وفي الوقت نفسه مارس سياسة “أقصى ضغط” على إيران التي لم تتوقف، بل زادت. وهذا النهج يحمل في طياته مخاطر التصعيد والنزاع، مما يؤشر أن هذا ما يريده الرئيس ومن حوله في الإدارة. ولكن ترامب تردد بالرد على الاستفزازات الإيرانية في الخليج صيف 2019، مع أنه نشر آلافا من الجنود الأمريكيين في ذلك الوقت.

ومع تجنب الرئيس المواجهة مع إيران ذلك العام، إلا أنه قام في 2020 بتحريك صينية “سوزان الكسولة” وأمر بغارة جوية قتلت القائد العسكري في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني. وأثنى صناع السياسة الخارجية وكتّاب الافتتاحيات في الصحف والديمقراطيون على اغتيال سليماني “الأسطوري” الذي تلطخت يداه بالدم. لكن الاغتيال لم يكن مرتبطا باستراتيجية حقيقية. ورد الإيرانيون كما هو متوقع باستعراض للقوة وعملية مستمرة تهدف لإخراج الأمريكيين من العراق.

ثم جاءت “صفقة القرن” التي وعد ترامب فيها بتحقيق ما لم يستطع أي رئيس من قبله تحقيقه ووضع حد للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي. ومع أنه لم يهتم بالموضوع، أو ما صار يعرف بخطة سلام ترامب- كوشنر. لكن الخطة راوحت مكانها لأنها تطالب الفلسطينيين بالتفاوض على حل نهائي واستسلام مخز وهو أمر لن يفعلوه ويعرفه كل شخص لديه معرفة ولو مبدئية بالنزاع. فالمقاومة للاحتلال الإسرائيلي والصمود أمامه هو جزء من الهوية الفلسطينية. وعندما بدا أن الفلسطينيين ليسوا مهتمين بهذه الصفقة التي تخدم طرفا واحدا، فقد الرئيس الاهتمام بها.

وتحدث فريق ترامب عن جهود الإدارة في مكافحة الإرهاب وجلب الجنود للوطن، لكنهم لا يزالون هناك وإن بأعداد قليلة في سوريا مثلا. ولا أحد يعرف السبب. فهم هناك “لحماية النفط” حسبما قال الرئيس، وربما لمواصلة مراقبة الإيرانيين، وتأكيد ورقة نفوذ على الروس، أو ربما هي الأسباب الثلاثة مجتمعة. وعلينا ألا ننسى أن هذه القوات لا تزال هناك رغم وعد ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرتين أنها ستنسحب. وأعطى الرئيس الضوء الأخضر للهجوم التركي على الأكراد رغم دورهم في محاربة تنظيم “الدولة”. وبوصول القوات التركية والجماعات السورية المتحالفة معها وبعضها متشدد، كان ترامب قد حرك الصينية.

ومن الصعب الحديث عن حقوق الإنسان لأنها لم تكن ضمن الوجبات الموجودة على الصينية المتحركة. وظل ترامب طوال السنوات الأربع غير مبال بالمعاناة التي تعانيها الشعوب في ظل أصدقائه. ومع أن خيارات الرئيس الأمريكي محدودة لوقف أو منع انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أن ساكن المكتب البيضاوي لديه أكبر منبر في العالم لكي يعبر منه عن موقفه الأخلاقي في قضايا العالم.

وبدلا من ذلك، وصف ترامب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ”ديكتاتوري المفضل”، وحتى لو فسرنا تصريحاته بأنها مجرد مزحة، لكنها ليست كذلك في ضوء الاضطهاد الذي يمارسه السيسي. وما هو مبرر ترامب في حديثه مع الإعلام أن على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تقديم غطاء أفضل لجريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي؟ وعندما يتعلق الأمر بعمليات التطهير في تركيا يتجاهل المسؤولون الأمر ويقولون إن الرئيس محب لأردوغان.

ويفهم أن أمريكا قد تضطر للتعاون مع أنظمة ديكتاتورية لحماية مصالحها، وأنها لا تستطيع تغيير جودة السياسة في مصر والسعودية وتركيا، ولكن الأمر مختلف عندما تصادق، وتتستر وتسكت على انتهاكات هذه الدول الواسعة لحقوق الإنسان.

ويعدد كوك عددا من الإنجازات لترامب مثل استخدامه علاقاته مع الديكتاتوريين للإفراج عن الأمريكيين في الخارج، وكذا اتفاقية “أبراهام” مع الإمارات والبحرين والتطبيع السوداني مع إسرائيل. وعندما يتعلق الأمر بالاتفاقية الأولى مع الإمارات، فثمنها أسلحة لدول الخليج.

أما تطبيع السودان فقد تم بالإكراه مقابل شطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب. صحيح أنه إنجازا لكنه ليس عملا عظيما. ودفعت وزارة الخارجية الأمريكية باتجاه محادثات لبنانية- إسرائيلية لترسيم الحدود البحرية، وهناك إمكانية لمحادثات أخرى. لكن استعداد لبنان لعقد هذه المحادثات كان بسبب الظروف الاقتصادية.

وربما كان طلب نجاحات في الشرق الأوسط أمرا كبيرا، إلا أن الرئيس مدين للشعب الأمريكي باستراتيجية، وبعد أربعة أعوام فشلت إدارة ترامب في هذا. فقد اهتمت بأي موضوع ظهر أمامها قبل أن تتحرك وتدير صينية “سوزان الكسولة” على “مكتب ريزليوت” الذي يستخدمه الرئيس. وأربع سنوات أخرى لن تقدم الكثير.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.