“الكرنك”

د. إبراهيم صبيح …

 

ولد الشاعر المصري أحمد فتحي في مصر في العام 1913 حيث كان والده المثقف من علماء الازهر البارزين. وجد شاعرنا نفسه يتيم الاب والام وهو في سن العاشرة فتعثر في دراسته. ورث عن والده مكتبة عامرة بالاضافة الى مَلَكه نظم الشعر التي احتفظ بها ونَمّاها رغم تنقله في وظائف عديدة في انحاء مصر حتى استقر به المقام في مدينة الأقصر حيث ألف قصيدته الشهيرة “الكرنك” التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب والتي يقول فيها:
حُلم لاح لعين الساهرِ … وتهادى في خيالٍ عابرِ

قبل شهور كنت في زيارة لمعبد الكرنك في مدينة الأقصر فرافقتني روح شاعرنا أحمد فتحي وأنا أشاهد عرض الصوت والضوء الذي ابتدأ في تمام الساعة الثامنة مساءً.

حين ألقى الليلُ للنورِ وشاحه … وشكا الطَلُّ إلى الرملِ جراحه
كنت وباقي الزوار نقف أمام مدخل المعبد في ظلمة الليل الدامس عندما دقت الطبول واستمعنا الى اصوات من الماضى تَستَحضر لنا وتَنسجُ صورةَ حيةً للماضي البعيد.
أين يا أطلال جُندُ الغالبِ؟ … أين آمون وصوتُ الراهبِ؟
أنت هنا في الكرنك تسأل: من أنت يا آمون؟ فترد عليك الأعمدة العملاقة التي بحجم الالهه : “أنا آمون، رب كل الكائنات، أب الاباء وأم الامهات عندما أفتح فمي في ظلمة الصمت الرهيب تتفتح أعين كل من يستطيع أن يرى. تجد في عيني اليمنى ضوء النهار وفي عيني اليسرى يوجد ظلام الليل ومن بين أصابع قدمي يتدفق ماء النيل.
ها هنا الوادي وكم من مَلكِ … صارعَ الدهر بظلِّ الكرْنكِ
الى الكرنك، حج كل ملك وفرعون… الى هنا حج رمسيس الثالث وسيتي وبطليموس وحتشبسوت وتوت عنخ آمون. الى هنا كان يأتي الملوك والفراعنه لكي يتطهروا في المياه المقدسة ثم يرتلون مع الكهنة حتى تصحو الالهة: فلتنهض ايها الاله آمون، سيد الكرنك ولتبارك لنا هذا اليوم وتفتح لنا أبواب الجنة.
وصغا المعبد للحن القريبِ … مرهفًا ينسابُ من نبع الغيوبِ
تمشي في قاعة الأعمدة البازلتية التي يزن كل منها مئات الأطنان والتي بنيت على طراز أزهار ذات اكاليل وبراعم ونقوش بارزة ونقوش غائرة، فتسمع اصوات الرجال وهم يدقون الصخر بأزاميلهم وترى أشباحَ رجال يصنعون اوانٍ من ذهب وفضة وآخرون يقفون فوق جدار القلعة يرصدون حركة النجوم والقمرً بينما الكتبة يجلسون القرفصاء لكتابة تاريخ مصر. تتقدم قليلاً في ساحات المعبد فتشم رائحة البخور والعطور وترى رسومات الزهور والقوارب والنيل العظيم.
أنا هيمانُ ويا طول هيامي … صور الماضي ورائي وأمامي
عندما تجلس أمام البحيرة المقدسة تحس بعظمة فيضان النيل، تحس بالقوة والحياة وترفع رأسك فترى نجوم السماء مشعة كما لم تراها من قبل ثم تنظر أمامك الى الصور التي تتراقص فوق الجدران وتنعكس فوق سطح البحيرة فتحس بوهج التاريخ على مدى ثلاثين قرناً. وفجأة يقتحم الصمت صوت الطبل والمزمار والقيثارة فتأخذك معها لتعانق أشجار النخيل وتسافر معها في ظلمة الليل خلف الكرنك الى الضفة الغربية للنيل في المكان الذي هبطت فيه الشمس على وادي الملوك، حيث يشرف أنوبيس واوزيريس على طقوس الموت والتحنيط.
طاف بالدنيا شعاع من خيالِ … حائرٌ يسألُ عن سرِّ الليالي
أليست النجوم التي نراها هي نفس النجوم التي أطلت منذ الاف السنين على من قبلنا؟ أو ليست هذه الارض التي نخطو فوقها هي نفس الأرض التي مشي عليها ملوك وملكات وفراعنة وكهنة وغزاة؟ ألم يأت الى هنا اشور واسكندر المقدوني وقيصر روما؟
كلهم ذهبوا وبقيت الشمس كل يوم تغرب فوق وادي الموت، وبقيت أنشودة الكرنك.

د. إبراهيم صبيح
Email: [email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.