ونعوذ بك من قهر الرّجال: الانتحار «اللا» الأخيرة في لبنان في وجه السلطة القاتلة

 

جوعٌ على هيئة انتحارٍ معلن، أمام أعين الشمس والشوارع، والمقاهي، والمارة، والواقفين والجالسين والسائرين إلى اللا وطن، في مسخ وطن صغير شرق المتوسط كان يُدعى لبنان، هناك صار الموت مهرجاناً وجهارا حتى أعلى مقام الصراخ، وكأنه سعي حثيث للمشاركة معه وحتى لو بالفرجة والآه واللعنات، «قتل نفسه بسببكم، قتل نفسه بسبب الجوع: لعن الله هذا البلد!».
هذا ما قاله أحد أقارب الشاب، الذي أطلق الرصاص على نفسه في قلب الشارع التجاري الرئيس في العاصمة بيروت، بعد أن أصابه سرطان الجوع واستفحلت بعظامه استحالة العيش بكرامة.
ولاحقا استقلّ معه ذات القطار شاب آخر شنق نفسه في منزله بعد أن لم يعد قادراً، رغم عمله المضني على توفير تكلفة جرعة العلاج لزوجته المصابة بالسرطان.
وثالث، ورابع، وهكذا دواليك، تتوالى التوابيت، وكأن الراحلين مجرد أخبار اعتياديّة، فيما الإعلام اللبناني، وكما العهد في أغلبه الباحث عن كل ما يوجع الحياة، يسارع في شاشاته على تلاوينها الحزبيّة والطائفيّة لنقل صور المنتحرين، وإجراء المقابلات مع معارفهم وجيرانهم والشهود، ومن ثم المتاجرة بهم في سوق النخاسة السياسي قبل أن نعود لمتابعة البرامج الاعتيادية، التي تتنافس في سطحيتها وفجورها، وربما بانتظار المنتحر الجديد في اليوم التالي!
بالطبع، الانتحار في لبنان ليس ظاهرة جديدة، وثمة أناس في كل المجتمعات تفقد توازنها النفسيّ أو العقلي فتنهي حياتها. لكن الأعداد لبنانياً تتزايد في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ حتى تكاد لتصل الآن إلى ما معدله منتحر واحد يومياً من حوالي 100 سنوياً عند منتصف العقد المنصرم، ولا شكّ أن جزءاً مهماً من هؤلاء – كما صرنا نعرف مؤخراً – عقلاء قست عليهم الظروف الاقتصادية القاهرة التي انتهت إليها الأكثريّة من المواطنين اللبنانيين، ففقدوا الأمل بإمكان كسب كفاف عيشهم بكرامة وتخلت عنهم الدولة وتجاهلهم المجتمع واختاروا الانتحار كفعل احتجاج أخير في مواجهة قسوة هذا العالم التي لا تحتمل بعدما عزّت عليهم وسائل الاحتجاج الأخرى أو لم تجدهم نفعاً.

هذا ما جناه عليّ حكم أمراء الطوائف

يواجه الشعب اللبناني واحدة من أقسى المراحل في تاريخه الحديث (تأسس الكيان اللبناني في صيغته الحاليّة على أيدي المستعمر الفرنسي في 1920) إذ فقدت العُملة الوطنيّة قيمتها بشكل متسلسل حتى وصل سعر التحويل مقابل الدولار الأمريكي إلى أطراف الـ 10 آلاف ليرة مقارنة بـ 1500 ليرة لآخر عقدين متسببة في غلاء جنونيّ في الأسعار وانهيار القوّة الشرائيّة لمعظم المواطنين، الذين يتلقون أجورهم أو يحتفظون بمدّخراتهم في العملة اللبنانيّة، ولم تعد الدّولة بقادرة على سداد التزاماتها الماليّة الدّوليّة، وفرضت قيودا غير مسبوقة على السّحوبات والتحويلات من المصارف، فيما تراجع أداء القطاعات الاقتصادية إلى أدنى مستوياتها المعروفة منذ زمان الحرب الأهليّة (1975 – 1990) ووجد كثيرون أنهم إما فقدوا أعمالهم أو تراجعت مداخيلهم لا سيّما بعد توافق المرحلة مع دخول فترة الحجر الصحي بسبب انتشار فيروس كورونا.
وليست هذه الأزمة سوى تراكم نوعي وكميّ في الفساد المؤسس لثلاثة عقود متتالية منذ خلع أمراء الحرب الأهليّة (بضغط إقليمي ودولي) بزاتهم العسكريّة واستبدلوها بالبدلات الرسميّة والكرافتات وحصص من كعكة السلطة والثروة والنفوذ لما بعد الحرب، وفرضوا منطقهم ونموذج السرقة العلنيّة على البلد بدعم وحماية وتوجيه من الخارج إلى أن انتهت الدّولة – والأكثريّة معها – إلى الإفلاس شبه التام.

«لم يقتلونا بالرصاص: قتلونا بالقرارات»

نكاد نتجمدّ أمام هذا السّيل المتتابع من شهداء الموت المجانيّ – ماتوا انتحاراً أو إهمالاً ومرضاً وخوفاً وجوعاً – عن حقيقة أن هؤلاء الضحايا الذين نراهم على شاشاتنا – وقد نعرف بعضهم شخصياً في بعض الأحيان – هم بشر قُصفت أعمارهم نتيجة مباشرة لخطايا النظام الطائفي – النخبوي الفاسد، وإن أقل درجات الاحترام لغيابهم يجب أن يكون تعيين القتلة كأفراد، بدلاً من تسجيلهم على ذمّة مجهول.
فعندما يقوم أحدهم بالتحضير المسبّق لقتل شخص آخر ومن ثمّ يطلق النار عليه – مثلاً – ويودي بحياته، تسمى تلك جريمة مع سبق الإصرار والترصّد ويعاقب عليها – نظريّاً – بأقصى العقوبات. لكن القانون يسقط في غفلة سادرة عندما يجتمع ذوو الياقات والسيدات المتأنقات في غرف الاجتماعات الفارهة لصياغة سياسات وتشريعات وقوانين تضع الفقراء في تقاطع ظروف قاهرة: تعليم سيىء، انعدام فرص العمل، أو وظائف شاقة دون حماية من تغوّل المالكين، غياب شبه كليّ للخدمات الاجتماعيّة، رعاية صحيّة وهميّة تعجّل في الموت، مواد غذائيّة ومياه مسرطنة، تلوّث حضري وبيئي، طرقات قاتلة.
وهم في ذلك لا يكتفون بتحضير أجواء للجريمة التامّة التي سيقع الفقراء ضحيّة لها وحسب، بل هم – وشبكاتهم الفاسدة – مستفيدون منها بشكل مباشر وعلى مستويات مختلفة. إنهم يقتلوننا بالقرارات – تماماً كما يقول الروائي الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز.
هذه الجرائم العلنيّة، لا يمتلك الفقراء – الذين يشكلون أغلبية في المجتمع لناحية العدد – القدرة على الدّفاع عن أنفسهم تجاهها. وعندما تُلجئهم الظروف للانحراف السلوكيّ أو الأخلاقيّ: للسرقة أو امتهان الدعارة أو الاتجار بالمواد غير المشروعة وغيرها من جرائم الحاجة، يقسو عليهم القانون وينتهي معظمهم إلى السجن أو المرض على نحو يفقدون معه حقوقهم المدنيّة وفرص العمل القليل المتوفّرة أمامهم، فيبقون في ذات الدائرة المغلقة التي تعيد إنتاج بطالتهم وجهلهم وفقرهم جيلاً بعد جيل.

وهكذا يُقتَلُ الرّجال

الملفت أن المنتحرين قتلاً بيد السلطة الفاسدة أغلبهم من الذّكور. ولا بدّ أن لذلك علاقة بسيكولوجيا الرّجل – الذكر الشرقي، الذي يكلّفه المجتمع وفق ثقافته المتوارثة برئاسة عائلته الصغيرة – وربما الاعتناء أيضا بوالديه وبقية إخوته ممن لا يكسبون رزق أيامهم – والانفاق عليها وتغطية كافة متطلباتها. هذه المسؤوليّة التي قد تبدو ممكنة في لحظة ما من حياة الرّجل الشرقي، تزداد ثقلاً في المنظومة الرأسماليّة يوماً بعد يوم، فيما تبدو الفجوة الاقتصادية بين من هم فوق ومن هم تحت في اتساع مستمر، وتزداد متطلبات العيش مع تطور التكنولوجيّات والتقدّم في العمر والإنجاب، فيما يتبخّر الأمان الوظيفي عند أوّل أزمة اقتصاديّة أو تغيّر مزاج صاحب رأس المال، ولا يجد المواطن الفقير أي جدار يستند إليه لو أصيب أو أحد أفراد عائلته بمرض عضال، ويتعيّن عليه معاشرة الموت بانتظار موته المحتّم.
كيف لا يُصاب الرّجال بالعجز أمام كل ذلك، وهم لا ذنب لهم في ما اقترفت أيادي نخبتهم الفاسدة؟
كيف لا يُحس الذّكر الشرقيّ بالإخصاء عندما يعود مساء لزوجته وأولاده، فارغ اليدين مكسور الروح، متأبطاً عجزاً على شاكلة إخصاء لرجولته، مبتلّاً بالانكسار، ماطراً باللا أستطيع، التي هي مشرط السلطة الوحيد، لقطع نسل «لاءات الكرامة»!؟
هي لعبة التاريخ إذا، مذ كان الخصي يُنفذ كعقوبة للأسرى لقطع نسلهم أو من باب الترف، الذي كان ينتهجه بعض الحكام والأمراء بإخضاع الفتيان أصحاب الأصوات الجميلة لهذه العملية القاسية لكي يظل الفتى صاحب صوت رقيق، حتى يومنا هذا، عندما تذهب سلطة كاملة فاسدة في لبنان إلى خصي رجالها، ليس من باب الحد من الإنجاب أو ترف الصوت العذب، بل من باب إخضاع وتجويع الرجال.
أللهم إنّا نعوذ بك من قهر الرجال.

إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.