ليبيا: سلسلة هزائم قد تُمهد لإخراج حفتر من التسوية

وهج 24 : تكتسي المكاسب العسكرية التي حققتها القوات المؤيدة لحكومة “الوفاق الوطني” على مدى الأيام الأخيرة، أبعادا استراتيجية حاسمة، بوصفها انعطافا في الحرب التي شنها اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، منذ الرابع من نيسان/أبريل العام الماضي. وشكل استحواذ القوات الموالية لحكومة “الوفاق” على قاعدة الوطية الجوية (143 كلم غرب طرابلس) من دون قتال، وكذلك انسحاب قوات اللواء حفتر من مواقعها المتقدمة في جنوب طرابلس، تحوُلا حاسما في المعركتين العسكرية والسياسية بين فرقاء الأزمة الليبية. والأرجح أن سلسلة الهزائم العسكرية التي مُني بها حفتر ستستمر، مع تركيز قوات “الوفاق” حاليا، على استعادة قصر بن غشير، تمهيدا للسيطرة على ترهونة، التي تعتبر أهم قاعدة لقوات حفتر في غرب ليبيا، وهي جسر التموين الرئيسي لتلك القوات.

وكانت ترهونة من المدن التي بقيت على ولائها للزعيم الراحل معمر القذافي، بعد اندلاع انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011. وإذا ما تحققت السيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية، مثلما يتوقع خبراء عسكريون، سيخسر حفتر معظم أوراقه، ويجد نفسه أضعف من أي وقت مضى، واستطرادا سيكون مُكرها على تقديم “تنازلات” لطالما صمَم على رفضها في الماضي. لا بل إن جلوسه إلى جانب المتفاوضين على مستقبل ليبيا بات غير مضمون أصلا، خاصة بعدما أعلن رئيس “حكومة الوفاق” فائز السراج أنه لن يتفاوض معه أبدا.

 

موقع دفاعي

لم يحقق حفتر تفوقه العسكري، بعد إطلاق حملته العسكرية على جنوب طرابلس، إلا بعد الدعم النوعي الذي تلقاه من روسيا والإمارات، ما ضيق الخناق على قوات “الوفاق” وأجبرها على اتخاذ موقع دفاعي، حتى كثرت التكهنات بأن دفاعاتها لن تصمد طويلا. من هنا أتى الدعم العسكري الذي تلقته من تركيا، ليُعدل الكفة ويوفر عتادا وأسلحة تعادل، إن لم تفُق، ما تملكه قوات حفتر. والظاهر أنها ستُركز هجماتها على قصر بن غشير وترهونة. ويؤكد الخبير العسكري الايطالي فرانشسكو بوسوليتي أن قصر بن غشير يضم أحد أهم مقرات القيادة المتقدمة لقوات حفتر، حيث يتم تخطيط الهجمات على طرابلس وسائر المنطقة الغربية. وأوضح بوسوليتي أن قوات “الوفاق” أطلقت سلسلة من الهجمات الجوية العنيفة على مواقع تلك القيادة داخل القاعدة لتدميرها، وفتح الطريق إلى ترهونة. وتوقعت نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، ستيفاني وليامز أن تستخدم قوات الوفاق قاعدة الوطية لتجميع قواتها وطائراتها التركية المُسيرة، من أجل إطلاق سلسلة من الغارات ليس فقط على القوات التي تحاصر طرابلس، وإنما في مواقع أخرى، خارج المنطقة الغربية.

 

مُراكمة الهزائم

وما يدعم هذا السيناريو أننا حين نقرأ مُنحنى المعارك التي خاضتها قوات حفتر، في المنطقة الغربية، البعيدة عن خطوط التموين والإمداد، نلحظ أنها عرفت الهزيمة تلو الأخرى، وفقدت القواعد والمواقع الاستراتيجية، التي كانت استولت عليها طيلة الأعوام الأخيرة. وبدأت مُراكمة الهزائم العسكرية من مدينة غريان (80 كلم جنوب طرابلس) التي كانت القاعدة المتقدمة في التخوم الجنوبية للعاصمة. ثم كرَت السبحة باسترجاع سلسلة من المدن الساحلية الواقعة بين طرابلس والحدود التونسية، وأبرزها صبراتة وصرمان، وانتهاء بـ”سقوط” الوطية.

ومن المفيد التوقف هنا عند أهمية هذه القاعدة في الميزان العسكري، فهي (الوطية) قاعدة جوية أنشأها الأمريكيون أثناء الحرب العالمية الثانية، وتم تطويرها في عهد معمر القذافي. وقد استولت عليها قوات “الوفاق” من دون مقاومة، إذ فرً منها قواد كتائب حفتر، قبل نحو خمس ساعات من وصول قوات “الوفاق”. وتشتمل القاعدة على خمسين مستودعا وعلى مقر للقيادة ومهابط طائرات في قلب الصحراء. واستطاعت قوات “الوفاق” أن تشن غارات قوية ومكثفة على القوات المتمركزة داخل القاعدة، وخاصة على منظومة الدفاع الجوي “بانتسير” الروسية التي منحتها الامارات إلى حفتر. وتمت تلك الغارات بواسطة الطائرات الموجهة تركية الصنع، من طرازي بيرقتار” و”أنكا أس” ما حمل ضباط حفتر على الفرار من القاعدة، لأن بقاءهم فيها غدا ضربا من الانتحار. إلا أن مصادر ليبية أخرى، بينها قناة 218 التي تبث من الأردن، أكدت أن أوامر بالانسحاب صدرت من القيادة العامة للقوات المرابطة في القاعدة، قبل ثلاثة أيام، وتم تنفيذها على مراحل، مع سحب ألف آلية باتجاه مدن الزنتان والرجبان وترهونة على ثلاث دفعات.

انهيارات جديدة

زيادة على دعوة الأمم المتحدة إلى وقف إطلاق النار، يرتدي النداء المشترك من وزيري خارجية روسيا وتركيا، للعودة إلى مائدة المفاوضات، مؤشرا على أن أهم قوتين تقفان وراء الغريمين الليبيين لا ترغبان في استمرار الحرب، وتسعيان إلى تقاسم المصالح على مائدة الحوار. وهما يعتبران أن معركة الاستيلاء على طرابلس بالقوة العسكرية فشلت فشلا ذريعا، بالإضافة لكونها حربا مكلفة ماديا وبشريا. واستطرادا تصدعت الثقة التي وضعها الحلفاء في وعود حفتر بحسم سريع للمعركة، زاعما أنه “سيطرد حكومة الوفاق من طرابلس”. على هذا الأساس يفقد حلفاء حفتر، يوما بعد يوم، أي أمل في تحقيقه انتصارات عسكرية، ويعتبرون أن استيلاء “الوفاق” على كل من قصر بن غشير وترهونة سيكون نهاية لدوره في الصراع الليبي-الليبي، بوصفهما آخر معاقله في المنطقة الغربية.

من أبرز التداعيات المتوقعة لسلسلة الانتصارات العسكرية التي حصدتها حكومة الوفاق انهيارُ قوات حفتر، ما سيؤدي إلى تخلي حلفائه عنه، أو بعضهم في الأقل. فموسكو، التي دُمر كثير من أسلحتها المتطورة في معارك ليبيا، أو غنمها معسكر “الوفاق” ومن بينها منظومات الدفاع الجوي، لن تتعاطى مع حفتر مثلما فعلت في السنوات الأربع الأخيرة، خاصة أنه تنصل من التوقيع على مشروع اتفاق روسي تركي لوقف إطلاق النار مع السراج في موسكو، مطلع العام الجاري، وغادر العاصمة الروسية قبل حفلة التوقيع، ما اعتبره الروس تحديا لهم. بهذا المعنى بات حفتر حليفا عنيدا ومُكلفا في آن معا.

من هذه الزاوية نفهم لماذا تدخل الروس بأنفسهم وتجاوزوا حفتر بإرسال ثماني مقاتلات من طرازي “ميغ 29″ و”سوخوي 24” من قاعدة حميميم في سوريا إلى المنطقة الشرقية في ليبيا. لكن الأرجح أن هذه الخطوة احتياطية وردعية، ولا تعكس بالضرورة استعدادا لاشتباك مباشر مع الأتراك لا في ليبيا ولا في سوريا.

موسكو تبحث عن بديل

مثلما كان مشروع “اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار” ثمرة تفاهم روسي تركي، يدل الموقف المشترك الذي أعلنه وزيرا الخارجية الروسي والتركي الخميس، على تقارب بين العاصمتين في الملف الليبي، على أساس دعوة الجميع إلى العودة إلى المسار السياسي. وربما يكون هذا الموقف المشترك صدى لتفاهمات ثنائية في سوريا.

ولم يستبعد المحلل الروسي كيريل سمينوف أن موسكو تُدقق النظر، حاليا، في الدائرة المحيطة بحفتر بحثا عن وجه آخر أكثر مقبولية منه، داخليا وخارجيا. ويأتي رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في مقدم المؤهَلين لأن يكونوا حلفاء أقل مشاكسة وتنطُعا من حفتر، حسب الروس. كما يحظى بهذه المكانة أيضا، لكن بدرجة أقل، رئيس “الحكومة المؤقتة” في الشرق الليبي عبد الله الثني، وهي حكومة افتراضية لا يتعامل معها أحد، عدا… الرئيس السوري بشار الأسد.

ويبدو أن موسكو مقبلة على لعبة خلط أوراق وتغيير وجوه، مُعتقدة أن ذلك من شأنه أن يُخفف من الانتقادات الغربية، وخاصة الأمريكية لها، على دورها في إرسال قرابة 1200 من مرتزقة شركة “فاغنر” الأمنية الروسية للقتال في ليبيا. وما يؤكد ميل الروس إلى عقيلة صالح اعتراف الأخير بأن خريطة الطريق التي أعدها وقدمها لأعضاء البرلمان، أواخر الشهر الماضي، حررها نواب روس مع نظرائهم الليبيين، من دون أن يُعطي أسماءهم.

لكن تغيير التحالفات في شرق ليبيا، يرتبط أيضا بالحاضنة الاجتماعية، إذ يلعب العامل القبلي دورا مهما في دعم الزعامات السياسية والعسكرية، لذا فإن حلول صالح أو الثني أو المسماري، محل حفتر، سيحتاج إلى “شغل عميق” على القيادات القبلية في المنطقة الشرقية.

 

مجموعات النفط والغاز

لا ينبغي التهوين أيضا من دور مجموعات النفط والغاز في دفع السلطات الروسية إلى تغيير تعاطيها الايجابي مع حفتر، فهو المسؤول عن نقص يُقدر بأكثر من 1 مليون برميل من النفط، في السوق، منذ حاصرت قواته الحقول والموانئ النفطية. وستكون العودة إلى الانتاج والتصدير عملية معقدة وبطيئة، لأن تعليق الانتاج أيسر بكثير من معاودة تشغيل الحقول والموانئ. كما أن الشراكة التي يُفترض أن تنطلق بين مجموعة “غازبروم” الروسية و”المؤسسة الوطنية للنفط” ستبقى مؤجلة، وهذا لا يسُرُ الروس أيضا. ونسبت صحيفة “المونيتور” لمصدر روسي لم تُسمِه، أن موسكو تعتبر حفتر حجر عثرة في سبيل تفعيل الشراكة المتفق عليها بين الجانبين، في هذا المجال، وعقبة أمام معاودة تشغيل الحقول والموانئ النفطية.

وفتحت موسكو خطوطا عدة مع الشخصيات النافذة في المنطقة الشرقية، فعلى سبيل المثال يتردد أن رئيس “المجلس الاستشاري للمؤسسات” في روسيا ستانسلاف كودرياشوف هو المُكلف بالدفاع عن مصالح “حكومة” الثني في روسيا حاليا. كما أن شخصيات روسية أخرى أبرزها رئيس مجموعة “فاغنر” يفغيني بريغوزين، سعت إلى إبراز سيف الإسلام، نجل معمر القذافي، بوصفه بديلا من حفتر، وفتحت خطا للحوار المباشر معه في معقله بالزنتان (غرب). وعلى الرغم من تأكيدات الحكومة الروسية المتكررة أن مجموعة “فاغنر” ومرتزقتها، لا يمثلون الدولة الروسية، ولا يحظون بدعمها، لم تعد العلاقة بين رؤساء تلك المجموعات الاقتصادية الخاصة وأوساط حفتر خافية على أحد.

 

أول انتقاد روسي

وبناء على الدعم الذي تُقدمه لبرلمان طبرق بحثا عن حل سياسي للأزمة، لم تستلطف موسكو، إعلان حفتر احتكار جميع السلطات وتقويض اتفاق الصخيرات (2015) بتعلة تفويض وهمي، قال إنه تلقاه من الليبيين. وأتى هذا الموقف على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، وهي المرة الأولى التي تنتقد فيها روسيا “حليفها الرهيب” علنا. كما لم يستحسن الروس مبادرات حفتر الهوجاء، ومنها الإمعان في القصف العشوائي للأحياء السكنية، الذي أوقع منذ بدء الشهر الجاري 17 قتيلا و66 جريحا من المدنيين، بالإضافة لإصابة منشآت استشفائية بالصواريخ والقنابل، 17 مرة. واللافت أن لافروف أكد أن “مبادرات عقيلة صالح تحظى بدعم موسكو، خاصة ما يتعلق بالدعوة إلى حوار وطني من أجل إنشاء مؤسسات حكومية موحدة تمثل مناطق ليبيا الثلاث” مُعتبرا أن ذلك يُعطي دفعة للمسار السياسي السلمي، ومُشددا على أن دور القوى الخارجية “يتمثل بدعم الحلول التي تحظى بتوافق الليبيين”.

الظاهر أن ما يشغل بال الروس اليوم، لم يعد مساعدة حفتر على تحقيق نصر عسكري، فقد طُويت تلك الصفحة بالانسحابات الأخيرة، وإنما منع جيشه من الانهيار، فاستمرار الواقع الراهن يُتيح لموسكو أن تمضي في لعب دور الوسيط بين الإخوة الأعداء الليبيين. وبذلك تكون مؤهلة للمشاركة في الهيئات واللجان المنبثقة من مؤتمر برلين، بوصفها الإطار الوحيد المُتاح حاليا لوضع الأزمة الليبية على سكة حل سياسي مُتوافق عليه، من دون فيتو، لا من حفتر ولا من سواه.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.