رسائل موسكو «النارية» تختبر جدّية «الناتو» في إدلب… واردوغان يرد برمي ورقة النازحين أمام أوروبا

وهج 24 : تحولت إدلب التي تشهد تصعيداً غير مسبوق شمال غربي سوريا، إلى مركز تبادل للرسائل العسكرية المباشرة، التي تدلل على خلافات واضحة بين أنقرة وموسكو، تمتحن فيها هذه الأخيرة قدرة تركيا على الانخراط بالخيار العسكري، ومدى جدية الولايات المتّحدة وحلفاء أنقرة في دعمها.

يأتي ذلك بعدما أعطت موسكو عشيّة 27 شباط/ فبراير 2020، أمراً لقواتها بتوجيه ضربة مباشرة إلى تجمع عسكري تركي في قرية بليون بجبل الزاوية بشكل متعمّد عبر طيران النظام السوري الحربي وسلاح المدفعية، ما أدى لمقتل أكثر من 30 جندياً وجرح العشرات. فيما أعلن والي «هطاي» التركية، رحمي دوغان، الجمعة، ان عدد قتلى الجيش التركي جراء القصف الجوي في إدلب ارتفع إلى 33، فضلًا عن 32 مصابًا في المستشفيات، وقال الوالي في تصريحاته «سبق أن أعلنت للرأي العام استشهاد 29 جنديًا تركيًا، وإصابة آخرين بجروح خطيرة، ومن المؤسف أن 4 جنود من أصحاب هذه الإصابات قد ارتقوا شهداء».
واعتبرت أنقرة أن مقتل جنودها، قد نقل الأزمة بين البلدين إلى مرحلة تجاوزت كل الحدود المتوقعة، وهو ما أدلى به المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في تصريح صحافي، الجمعة، داعياً المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات ملموسة تجاه الأزمة الإنسانية في إدلب وسوريا. وأوضح قالن أنه تم الرد بشكل قوي على الهجوم اعتباراً من منتصف ليل الخميس، مضيفاً أن «دماء الجنود الأتراك لن تذهب سدى»، وستتم محاسبة النظام السوري الملطخ يديه بالدماء.
من جانبه نسف وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، ما تحدث به نظيره الروسي حول جهلهم بوجود جنود أتراك في إدلب، وقال في تصريحات من غرفة القيادة على الشريط الحدودي مع سوريا، بولاية هطاي، حيث يدير عملية الرد على قوات النظام السوري، «استهداف جنودنا وقع رغم التنسيق الميداني مع المسؤولين الروس حول إحداثيات مواقع قواتنا». وأضاف أن الضربات الجوية والهجمات على منطقة إدلب السورية استمرت بعد تحذير صدر عقب الضربات الأولى، مؤكداً ان «309 من جنود الحكومة السورية المدعومين من موسكو قتلوا في إطار الرد التركي».
جاء ذلك في اعقاب تبرير موسكو موقفها من توجيه قوات النظام السوري لقصف موقع الجنود الاتراك بالقول، إن القوات التركية التي تعرضت للقصف ما كان ينبغي لها أن تتواجد في المنطقة السورية التي كانت بها، وإن أنقرة لم تبلغ موسكو مسبقاً بشأن مواقع هذه القوات.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع قولها الجمعة إن المقاتلات الروسية لم تنفذ ضربات في تلك المنطقة، وإن موسكو فعلت ما في وسعها لضمان وقف إطلاق للنار من جانب الجيش السوري للسماح للقوات بالإجلاء. تصريحات واضحة، تدل على ان موسكو ماضية عسكرياً في تقدمها ولن تتراجع قيد انملة حسب الأمنيات التركية، عن معركة إدلب والحسم عسكرياً، مهمشة الهواجس الأمنية التركية.

تحرك دولي واسع بعد مقتل 33 جندياً تركياً و«تحييد 309 من قوات النظام»

وغالباً ما يأتي هذا التصعيد الذي قد يقود إلى نزاع بين تركيا وروسيا، حسب خبراء ومراقبين لـ»القدس العربي»، نتيجة لتجاوز تركيا قواعد الاشتباك في دعم فصائل المعارضة السورية؛ استخباراتياً وعملياتياً، بما في ذلك الدخول العسكري المباشر في إدلب، واستخدام صواريخ مضادّة للطائرات، بشكل رفع تكلفة الحملة العسكرية وبات يهدد المكاسب التي تم تحقيقها. كما أن ذلك يأتي كنتيجة مباشرة، لتحدي تركيا لروسيا في استخدام الخيار العسكري كوسيلة موازية لدعم موقفها في المباحثات الدبلوماسية، مثلما فعلت في دعم عملية السيطرة على مدينة سراقب الاستراتيجية.

رسائل متعددة

ومن الواضح، أنّ شكل التصعيد الذي لجأت إليه روسيا باستهداف تجمع لجنود أتراك في إدلب يبعث برسائل متعددة منها ما تحدث عنها الخبير السياسي عبيد فارس لـ»القدس العربي»، أولها، اختبار مدى قدرة تركيا على الرد والانخراط الجاد باستخدام الخيار العسكري مع قرب انتهاء المهلة التي حددتها لانسحاب قوّات النظام السوري.
وأضاف ان الضغط على تركيا من أجل القبول بشروط روسيا إزاء الحل في إدلب وسوريا سواءً كان ذلك عبر السبل الدبلوماسية أو العسكرية، واختبار مدى جدّية الولايات المتّحدة وحلف شمال الأطلسي في دعم تركيا، وبالتالي قياس قدرته على الرد ضد تحرّك روسيا في المنطقة التي تُعتبر ضمن دائرة التهديد لمصالح الغرب.
لكن الخبير السياسي اعتبر أنّ موقف تركيا في «ليس في أحسن أحواله» عازياً السبب «لعدم الحصول على دعم ملموس ومرضٍ من قبل الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، بشكل ينسجم مع التهديدات الأمنية للمصالح المشتركة المترتبة على استمرار التصعيد في إدلب».
كما أنّ خيارات تركيا «المحدودة» من وجهة نظره، قد تقيّد قدرتها على الرد المنفرد؛ لا سيما وأنّ تركيا قد أبدت استعداداً لتوجيه الرد المسبق، ما يضعها أمام مزيد من المخاطر وصعوبة وضع حد فاصل بين الوقاية المطلوبة والتصعيد غير المرغوب».

تراجع روسي

وفي تراجع واضح لموسكو عن موقفها، بعدما تحدث الكرملين عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليست لديه خطط للقاء نظيره التركي رجب طيب اردوغان في الخامس من مارس/آذار، عاد الكرملين بتصريح مخالف، بعدما ادارت أنقرة وجهها باتجاه الحلف الأطلسي، يقول الكرملين فيه «إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب اردوغان اتفقا خلال مكالمة هاتفية يوم الجمعة على ضرورة اتخاذ إجراءات جديدة لتخفيف التوتر وإعادة الوضع لطبيعته في شمال غرب سوريا. ووفقا لرويترز فإن المكالمة، نصت على إن بوتين واردوغان اتفقا على ترتيب اجتماع رفيع المستوى لبحث الوضع في محافظة إدلب السورية التي قال الرئيسان إنها مبعث «قلق بالغ».
ويبدو أنّ إعلان الكرملين، بعد مكالمة بين بوتين واردوغان أمس، عن الترتيب للقاء عاجل بين الرئيسين، في تراجع عن الموقف السابق بعدم الرغبة في اللقاء، يظهر رغبة من طرف موسكو في الحد من الآثار التي يمكن أن يؤدّي إليها التصعيد في إدلب، وأنّ موسكو لا تريد قطع خطوط التواصل مع أنقرة، أو إنهاء التوافقات السابقة بشكل كامل.
وكانت أنقرة قد لجأت عقب مقتل جنودها، إلى طلب مشاورات عاجلة بشأن التطورات في سوريا بموجب المادة 4 من معاهدة الحلف الأطلسي (الناتو)، وتحدث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مع ينس ستولتنبرغ الأمين العام للحلف عبر الهاتف في وقت متأخر الخميس.
ودعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ روسيا وسوريا أمس لوقف الهجوم في إدلب مضيفاً أن الحلف يعبر عن تضامنه مع تركيا البلد العضو الذي فقد 33 جندياً في ضربة جوية نفذتها قوات الحكومة السورية ليل الخميس.
وقال ستولتنبرغ للصحافيين بعد اجتماع طارئ لسفراء الحلف في بروكسل عقد بطلب من تركيا «يندد الحلفاء بالضربات الجوية العشوائية التي ينفذها النظام السوري وروسيا في إدلب». وأضاف ”أناشدهما لوقف الهجوم واحترام القانون الدولي ودعم جهود الأمم المتحدة من أجل التوصل لحل سلمي“ ودعا للعودة إلى وقف إطلاق النار المبرم في 2018 وتوفير مساعدات إنسانية لإدلب.
قال خوسيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي أمس إن التوتر في منطقة إدلب السورية قد يتصاعد إلى صراع دولي كبير مضيفاً أن التكتل سيدرس الإجراءات الضرورية كافة لحماية مصالحه الأمنية، وكتب بوريل على تويتر قائلاً «التصاعد المستمر حول إدلب يجب أن يتوقف على الفور. هناك خطر من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية دولية مفتوحة. هذا يتسبب كذلك في معاناة إنسانية غير محتملة ويعرض المدنيين للخطر». وأضاف «يدعو الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف إلى خفض التصعيد على وجه السرعة ويعبر عن أسفه لجميع الخسائر في الأرواح. يدرس الاتحاد الأوروبي كافة الإجراءات الضرورية لحماية مصالحه الأمنية. نحن على اتصال مع كافة الأطراف المعنية».

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.