الكشف عن استمرار المخابرات الإسرائيلية بدور “الرقيب الحسيب” في المدارس العربية

وهج 24 : كشفت الحركة من أجل حرية المعلومات في إسرائيل أن جهاز المخابرات العامة (الشاباك) ما زال يتدخل في مضامين التعليم وتعيين المربين في المدارس العربية داخل أراضي 48 ويلعب دور الرقيب المحاسب، مما أثار ضجة وردود فعل غاضبة لدى فلسطينيي الداخل.

وتم ذلك بعدما قدمت الحركة المذكورة التماسا للمحكمة العليا تطالب فيه بالكشف عن دفتر يوميات مدير عام وزارة التعليم الإسرائيلية. وبعد استجابة المحكمة تم الكشف عن “جلسات عمل” عقدت بين وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية وبين جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) للبحث بقضايا “أمنية” تتعلق بالمدارس العربية.

تم الكشف عن “جلسات عمل” عقدت بين وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية وبين جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) للبحث بقضايا “أمنية” تتعلق بالمدارس العربية

وعن ذلك قال النائب عن القائمة المشتركة وعضو لجنة التربية والتعليم البرلمانية، د. يوسف جبارين، إن عقليّة الحاكم العسكري لم تكف يومًا عن مرافقة مسؤولي الوزارات الإسرائيلية، خاصة في وزارة التربية والتعليم، مشيرا إلى أن إماطة اللثام عن هذه الجلسات في الفترة الأخيرة يؤكد ما قيل في الماضي دومًا عن سياسات السيطرة والضبط والتدجين الّتي تسيّر جهاز التربية والتعليم في إسرائيل.

وأضاف جبارين: “هذه السياسات العدائية تجاه الطلاب والمدرسين العربوالسطو المتواصل على المضامين التربوية والرواية العربية الفلسطينية أصبحت أكثر تطرفًا مع وزيري المستوطنين نفتالي بينت ورافي بيرتس، اللذين يريدان أن يتعلم الطلاب العرب أنهم مواطنون من الدرجة الثانية”.

كما أكد أنه بالتعاون مع الشاباك هما يهدفان إلى مسخ هوية الطلاب العرب، ودمجهم في مشاريع خطيرة مثل ما يسمى بالخدمة المدنية، ووضع العقبات أمام المدرسين العرب الملتزمين بقضايا شعبهم لمنعهم من الانخراط بجهاز التربية والتعليم.

كما أكّد جبارين مطالبة “المشتركة بإدارة ذاتية لجهازنا التعليمي من قبل أخصائيين عرب من أجل صياغة مضاميننا التربوية بأنفسنا، وهذا المطلب أصبح أكثر إلحاحًا الآن بعد الكشف عن هذه الجلسات الخطيرة”. وتابع: “نحنُ في القائمة المشتركة ملتزمون بالنضال من أجل مساواة جوهرية وحقيقية في التعليم، ونؤكّد أن تعزيز قوة المشتركة في الانتخابات القريبة هو الضمانة للإطاحة بحكومة المستوطنين وبسعيهم لصهينة المناهج”.

عودة لعقلية الحكم العسكري

وهذا ما أكده زميله النائب عن المشتركة الأستاذ وليد طه الذي أشغل قبل ذلك إدارة قسم التربية والتعليم في بلدية كفر قاسم حين قال إن ما تم كشفه عن هذه اللقاءات بين مدير عام وزارة المعارف وبين الشاباك (جهاز أمني) يعتبر عودة لعقلية الحكم العسكري، مشددا على أنه “أمر مرفوض جملة وتفصيلا”.

وقال طه إن الجديد والخطير في الموضوع أن النشر يأتي في سياق مؤامرة “صفقة القرن” والمطاردات السياسية البوليسية التي تطال أوساطا في المجتمع العربي. وردا على سؤال “القدس العربي”، قال طه: “من الواضح أن أجواء التحريض العامة ضد المواطنين العرب وسياسة نتانياهو العنصرية إنما هي محاولة لتهديد المواطن العربي ولتكميم الأفواه وهي تذكير بالسلوك الدكتاتوري لمرحلة الحكم العسكري”.

ويرى النائب وليد طه أن المواطنين العرب قد تجاوزوا مرحلة كونهم “العرب الجيدين” وفق معايير السلطات الإسرائيلية وأنهم اليوم أشد مِراسا في التعامل مع التهديدات العلنية أو المبطنة وفي انتزاع حقوقهم من فم السلطة العنصرية. وقال الكاتب تميم منصور من مدينة الطيرة داخل أراضي 48 بهذا الخصوص إن تدخل جهاز الشاباك في جهاز التعليم العربي حالة مزمنة، وسوف تبقى إذا لم نتصدى لها ويدعمها عدد من المفتشين والمدراء العرب، داعيا الهيئات السياسية كلجنة المتابعة ولجنة الرؤساء العرب للمبادرة في محاربة ذلك.

يشار إلى أن جهات عربية ويهودية سياسية وحقوقية قد سبق واحتجت على هذا التدخل، كما بادرت وزيرة التعليم الراحلة عن كتلة “ميرتس” اليسارية شولميت ألوني إلى وقف تدخدلات المخابرات بالتعليم العربي عام 1992 بعد مشاركتها في حكومة رابين الأخيرة.

يشار إلى أنه في كتابه “عرب طيبون” قال الباحث الإسرائيلي دكتور هليل كوهن إن إسرائيل استخدمت المدارس العربية منذ 1948 من أجل تطويع وتدجين وأسرلة المواطنين العرب المتبقين في وطنهم من خلال احتلال الوعي واستبدال روايتهم التاريخية برواية إسرائيلية على سبيل المثال.

وما زالت كتب التعليم في المواضيع الأدبية تكاد تخلو من مضامين ومصطلحات وتسميات وشخصيات وطنية فلسطينية وعربية، ويتم اعتماد مضامين فارغة من شحنات تربوية وطنية وقومية أو زج مضامين صهيونية وحتى تعاليم الدين الإسلامي داخل المنهاج التعليمي فقط قبل 20 عاما بعد ضغط جماهيري شديد.

ويتضح أنه بعد سبعة عقود ما زالت هذه المخططات قائمة وهناك باحثون في علم الاجتماع أمثال دكتور عامر هزيل ممن يؤكدون على خطورة ضعف الهوية الوطنية على شخصية الإنسان وعلى السلوك وعلى تفشي العنف. وتوضح معلمة للجغرافيا في واحدة من مدارس منطقة الناصرة لـ”القدس العربي” أن وزارة التعليم الإسرائيلية ما زالت تعتمد سياسة التجهيل الوطني والعدمية القومية، منوهة لوضع مناهج التعليم على يد خبراء تربويين من اليهود الشرقيين أو بعض العرب المحليين المتساوقين مع سياسات الوزارة.

ويوضح الباحث دكتور مهند مصطفى مدير مركز “مدى الكرمل” في حيفا أن إسرائيل ومن أجل ذلك أعدت أجهزة صارمة مثل الحكم العسكري (1948-1966) وجهاز التعليم والتربية وجهاز المخابرات اللذين تداخلا وتعاونا نحو الهدف المراد. وقال إنه تم بداية تصميم المناهج التعليمية بيد يهود من أصل شرقي وبمساعدة مربين عرب موالين للسياسات التربوية الإسرائيلية التي لا تزال الأفكار والروح الصهيونية مهيمنة عليها.

ولفت لوجود مضامين كثيرة مترجمة عن العبرية علاوة على إجبار العرب على تعلم نصوص التوراة والتلمود والأدب العبري ضمن وحدات التوجيهي الإلزامية. ويقول إنه في الناحية البيروقراطية استبعد المعلمون “غير الصالحين” رغم كفاءاتهم المهنية وتم اختيار مربين ومعلمين ومفتشين وفق مقاييس يبلورها جهاز الأمن العام “الشاباك” لا تزال سارية المفعول حتى الآن رغم كل الاحتجاجات.

يشار إلى أنه في لواء الشمال تبلغ نسبة التلاميذ العرب اليوم حوالي 52 في المئة لكن وزارة التعليم الإسرائيلية ما زالت تحرص على بقاء مدير لواء الشمال فيها يهوديا. ويستذكر مصطفى كيف تم طيلة عقود نفي العشرات من المربين الوطنيين والشيوعيين الفلسطينيين في الداخل لمناطق بعيدة عن سكناهم لتجاوزهم حدود المطلوب منهم في عملهم اليومي، وأخضعت الوزارة ولا تزال جمهور المربين العرب لنظام مراقبة وقمع وترهيب من خلال نظام تفتيش يهتم باستبعاد كل ما من شأنه تنمية مشاعر وطنية وقومية في المدرسة العربية.

حالة اغتراب

كما يؤكد المؤرخ بروفيسور مصطفى كبها لـ “القدس العربي” أنه ضمن الحديث عن الهوية فبعكس الرحلات الميدانية في المدرسة اليهودية التي تهدف إلى تعريف الإنسان –الطالب– على المكان بعد عبرنته وخلق العلاقة الوجدانية معه فإن الرحلات في المدارس العربية وبتوجيه من الأعلى تبقى بدون رسالة وللترفيه فقط ولتذويت الأسماء المهودة للأماكن. ويضيف محذرا: “عندئذ تفقد الأماكن مسمياتها الأصلية على لسان الكثيرين، وربما يسري شعور بالاغتراب تجاهها لدى أبناء الوطن الأصليين، ولذا لا بد من الالتفات سريعا لهذه الحالة الخطيرة”.

تفقد الأماكن مسمياتها الأصلية على لسان الكثيرين، وربما يسري شعور بالاغتراب تجاهها لدى أبناء الوطن الأصليين

ويتوافق كبها مع ما يؤكده مهند مصطفى بأنه منذ اليوم الأول أنيطت مهمة وضع المناهج التعليمية والكتب التدريسية لرجال تربية وتعليم يهود شرقيين في الأساس ممن فرضوا مضامين تعليمية ورسائل بيداغوجية مصفاة من كل ما من شأنه تكوين وعي ثقافي وطني، وهي ترمي لخلق شخصية “العربي الإسرائيلي” التي تجسدت في شخصية “سعد أبو النحس المتشائل” في رواية “المتشائل” لإميل حبيبي.

متعة الأدب

وفي مجال الأدب كما هو معروف لا يرمي الإبداع الأدبي لتحقيق متعة المطالعة وتوسيع المعرفة والمدارك وإثراء التجربة فحسب بل يسهم في بناء الذاكرة الجماعية والهوية الوطنيتين، ولذلك غاب محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي وسميرة عزام وغسان كنفاني وسواهم ممن يدرس نتاجهم الأدبي في العالم العربي ويحرم منه التلميذ العربي في إسرائيل.

ويوضح الأديب محمد علي طه لـ “القدس العربي” في هذا السياق، أنه ربما تبقى القصيدة الإسرائيلية “في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي” المحفورة في ذاكرتنا مثالا صارخا على ما جرى ويجري. ويشير إلى أنه في المقابل يلزم التلميذ العربي بتعلم العبرية وآدابها بما يوازي اللغة الأم فتراه على سبيل المثال متواصلا مع بيالك “إلهتسيبور” وشاي عغنون “معسيه هعيز” وسط قطيعة مع أدب شعبه هو.

ويضيف أنه من ناحية واحدة يتم تغييب الأدب الفلسطيني الحقيقي وفي أحيان معينة يوردون مقاطع مسيئة مثلا “في المكتبة” لإبراهيم طوقان التي كتبت في مطلع مسيرته أو تدرج له مواد محايدة ذات طابع إنساني تخلو من أي بعد وطني مثل قصيدة “ملائكة الرحمة” للصف السابع حول عمل الممرضات ودورهن.

الرواية التاريخية

بخلاف المدرسة اليهودية التي ينهل منها التلميذ الرواية الصهيونية التاريخية، تستبعد الرواية الفلسطينية بالكامل في المدرسة العربية وتستبدل بتلك الصهيونية عن اللاسامية والمحرقة.

تستبعد الرواية الفلسطينية بالكامل في المدرسة العربية وتستبدل بتلك الصهيونية عن اللاسامية والمحرقة

لذا تبقى مواضيع كثورة البراق والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 والمجلس الإسلامي الأعلى والجمعية الإسلامية – المسيحية بمثابة طلاسم. كما تغيب كافة المواد المتعلقة بالمجتمع الفلسطيني في المدن والأرياف قبل النكبة وبإيقاع الحياة الثقافية واليومية فيها وكأن الطالب ولد من الحائط من هذه الناحية.

وعن ذلك يقول كبها ساخرا: “كأن معدي المناهج التعليمية أرادوا للتلميذ العربي أن يكون يتيما ثقافيا وسياسيا، وثقافيا أولا. وتستبطن مواد الجغرافيا مساعي خفية لمحو التسميات العربية للمكان من ذهنية التلميذ العربي واستبدالها بتسميات عبرية تفضي لحالة اغتراب في أحسن الأحوال بينه وبين بلاده وبيئته وأوطانه: جولاني (مسكنة) هموفيل (الخلادية) واليركون (العوجا) الكيشون (المقطع) والتشيكبوست (السعادة) وأفيك (الكردانة). كذلك بيت شآن (بيسان) ووادي رفيفيم (وادي عسلوج وبير هداج) ورمات حوفاف (وادي النعم)”.

وتتسع كتب الجغرافيا للشروح حول الكيبوتس والموشافيم على حساب القرى والمدن المهجرة وغير المعترف بها فتبقى هي الأخرى طي النسيان والتنكر. وهكذا في دروس الموطن والمدنية وحتى اللغة العربية.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.