المثال الحي (قصة قصيرة)

0

المحامي سامر أبو شندي

 

كانت تربطني بأبي الخير علاقة صداقة عندما كان يشغل محلا لصيانة وبيع الساعات يقع تحت مكتبي. كان باستمرار يستهويني الحديث إليه كونه واسع الثقافة والاطلاع في مختلف مجالات القراءة إلا أنه كان يولي الكتب الإسلامية الأولوية على غيرها.
بعد أن غادر محله بسبب غلاء الإيجارات اتصل بي وأخبرني أنه يزاول تصليح الساعات من خلال منزله الكائن في منطقة (حي نزال) الشعبي، وعندما تجمع لدي عدد لا بأس به من الساعات التي بحاجة للتصليح أو تغيير البطارية حزمت أمري وقررت الذهاب إلى منزله.
اخترت أن أزوره ليلا، وذلك حتى تكون أزمات المرور قد انتهت، وكذلك لأنني مضطر إلى الصعود إلى بيته الذي يقع في الطابق الرابع في بناء يفتقد إلى مصعد.
وفي تلك الليلة من ليالي شهر آب ذهبت وأخذت برفقتي ابنتي (زينة) التي تدرس السنة الأولى من تخصص الصحافة بعد أن أصرت على مرافقتي كالعادة.
ونحن في طريقنا إلى أبي الخير قلت لزينة:
لا أظن أنك ستكونين سعيدة بحديث محام وساعاتي تجاوزا الستين من عمرهما.
زينة: سنرى وإذا كان حديثكما غير ممتع فالجوال موجود وأستطيع أن أتسلى به.
فقلت: انشغالك بالجوال سيكون أفضل من أن تمطرينا بأسئلتك التي لا تنتهي يا صحفيتي الصغيرة.
زينة: بابا، أنت من شجعني على دراسة الصحافة، وأنا حرة في طرح ما أراه من أسئلة، ثم إن المكتبة الكبيرة التي تتوسط بيتنا والتي تزخر بكل أنواع الكتب تشجعني على طرح الأسئلة، فأنت تعرف شيئا عن كل شيء، وأنت دائما تشفي غليلي بالإجابة أو تحيلني إلى أحد الكتب في مكتبتنا الزاخرة، غير إنني لا أزال غير مقتنعة بالمثال الذي تضربه لي دائما عن الخبر الصحفي البرّاق، وكيف على الصحفي نقل الرواية الصحفية بطريقة مبهرة لكن دون الابتعاد عن الحقيقة.
فقلت: خبر الكلب الذي عض رجلا؟
زينة: نعم، تقول لي أن خبر الكلب الذي عض رجلا خبر عادي وغير ملفت للنظر لكن إذا جاء في الخبر أن رجلا عض كلبا فإن الخبر بهذه الحالة مليء بالإبهار.
فقلت: إنه المثال الوحيد الذي أتذكره من قراءتي لكتاب سلامة موسى (الصحافة حرفة ورسالة)، وكذلك من قراءتي لكتب عديدة للصحفي الشهير محمد حسنين هيكل وقراءاتي اليومية للصحف، أنا محام لكنني محاط بالصحافة من كل جهة، إلا أنني لم أدخل مثلك في أعماق علم الصحافة.
كنت انتقل بالسيارة من جبل عمان إلى رأس العين نزولا ثم صعودا إلى حي نزال ولم أكن أحس ببعد المسافة بسبب أحاديث ابنتي التي لا تنتهي.
وها نحن نصل إلى منزل أبي الخير أخيرا.
ركنت السيارة ونزلت أنا و (زينة) وأعلنت لها بداية رحلة جديدة وهي رحلة الصعود إلى الطابق الرابع حيث يسكن أبو الخير.
وصلنا إلى باب المنزل وخرج لنا أبو الخير وحصلت المفاجأة، حيث قال أبو الخير إن من عاداته أن النساء تجلس مع النساء والرجال مع الرجال، حاولت إقناعه بأن زينة هي ابنتي الصغرى وهي مثقفة وتدرس الصحافة، لكن تدخل زوجته التي قامت بتقبيل زينة وأخذها إلى حيث جلستا في حجرة أخرى، لم يجعل لحديثي معنى أو مغزى، فتوقفت عن هذا الحديث وجلست إلى أبي الخير في حجرة الرجال نتجاذب أطراف حديث آخر.
جلست بداية أستعيد أنفاسي المقطوعة وأشكو له درجه الطويل وصعودي أربعة طوابق.
فقال لي إنه ينزل هذا الدرج في اليوم ويصعده خمس مرات، حيث أنه يصلي الصلوات الخمس بالمسجد، وأضاف أنه الآن يعمل في إعداد المخللات ويقوم بكبس الخيار واللفت والشمندر بالملح وبيعه كمخلل. وإنه يفرغ حمولة عربة النقل في أسفل العمارة، ثم يقوم بنقلها عبر هذا الدرج صعودا على قدميه.
قمت بتسليمه الساعات ووعدني بالانتهاء منها في الغد وقمت بالسلام عليه ثم نادى فحضرت زينة، ونزلنا ذلك الدرج العتيد واستقلينا السيارة في طريق العودة.
فقلت: أرجو أن تكوني قد استمتعتي بهذه الزيارة.
زينة: بالطبع، لقد تعرفت على كفاح احدى النساء العربيات واسترسلت قائلة: لقد أخبرتني أم الخير أنه منذ أن باع زوجها محل الساعات وجلس بالبيت وهي تحضر (الطورشي) لتنفق على العائلة.
وانطلقت مني ضحكة عالية فالتفتت إليّ زينة قائلة: لماذا تضحك، هل تهزأ بكفاح المرأة العربية؟
فقلت: بالطبع لا، لكنني أضحك لأنني استمعت من أبي الخير إلى رواية مختلفة تماما.
زينة: وماذا سمعت؟
فقلت: لقد قال لي أنه الآن يعمل في إعداد المخلل أو (الطورشي) كما سمعت من أم الخير لكنه هو من يشتري الخيار واللفت والشمندر ويقوم بتفريغ الحمولة أسفل العمارة ثم نقلها سيرا على قدميه عبر ذلك الدرج الطويل إلى الطابق الرابع.
زينة: لقد كان لجلوسنا في حجرتين مختلفتين دور في أن يتكلم كل منهما بمطلق الحرية دون أي تدخل.
وبعد صمت طويل ساد في العربة، قالت زينة: لماذا أنت صامت يا بابا؟
فقلت: إن في ما حدث الليلة في هذه الزيارة مثال حي لاختلاف الرواية الصحفية، لقد تناول أبو الخير واقعة عمله بصناعة المخلل بطريقة توحي بأنه هو من يقع عليه كل العبء والعناء في هذه الصنعة.
بينما قالت لك أم الخير أنها هي من بدأت في هذه الصنعة بعد أن باع زوجها محل الساعات وجلس في البيت، كل منهما لم يكذب لكنه نقل الواقعة بطريقته وموقفه.
أبو الخير لم يكذب عندما قال أنه من يشتري ويحضر تلك المواد إلى منزله وكذلك أم الخير لم تكذب بقولها أن أبو الخير باع محله وجلس بالبيت والآن بين يديك مثال حي.
زينة: بابا، لقد كان عليك أن تعمل صحفيا.

(نهاية القصة)

سامر أبو شندي
المملكة الأردنية الهاشمية
محام وسينارست وناقد أدبي
عضو جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.