نزهة سياسي!

0

سالم الفلاحات

 

على هامش عزاء لصديق جلس بجانبي وقد رآني ألبس (شماغاً وعقالاً) وقال بما يشي بالسخرية:- نحن قبائل ومنها عشائر ولا تظنن أننا بلا أصل وأننا قطعنا من شجر، قلت: عفواً أنا لم أٌقل شيئاً هون عليك، قال: بل أجد في عينيك كلاماً، فقلت في نفسي حسبنا الله ونعم الوكيل!!
وأردف نحن عشائر لدينا ميزات خاصة ليست موجودة في النظام القبلي، فبإمكان أي فرد أن ينضم لأي عشيرة يريدها دون استئذان ودون أن يُعيّره أحدٌ في المستقبل أنه ملحق بالعشيرة أو (تُبوعة)، قلت وما عشائركم؟
قال عد على أصابعك..
أولاً: عشيرة (المعايشة)، قلت: والنعم ولكن ما سمعت بهذا الاسم.
قال: هذه عشيرة شعارها (خلينا نعيش) مهما كانت الظروف، وهي ممتدة لها في كل قرية ومدينة وبادية ومخيم أبناء وبنات كلهم على هذا النهج، قلت: خلينا نعيش!! قال: نعم المعايشة، ولعلك تسمع عن هؤلاء، قلت: أحياناً عند الحديث عن العمل الوطني يقول البعض: خلينا نعيش ولكن لم أعلم أنهم من هذه العشيرة -المعايشة.
قال: يجب أن تعلم أننا لسنا كبقية العشائر التقليدية، نحن عشائر حديثة ومتقدمة ومن شرائح مجتمعية متعددة.
ثانياً: عشيرة (السحَّايبة)، قلت: والله والنعمتين ما سمعت بها أيضاً، ومن اين جاء هذا الاسم الجديد؟ قال: هذه عشيرة ممتدة أيضاً ترى أن من مقتضيات الحياة الحديثة أن تنسحب من العمل العام وتقعد عند ]أدلالك وقهوتك[ وتكتفي بما يخصها في أصغر دوائرها، ولا عيب في ذلك حفاظاً على المصالح الخاصة لأفراد العشيرة، وشعارهم وأنا مالي!! وهذا مكتوب على ختم مختارهم السيد السحايبي.
قلت: وهل هذه عشيرة كبيرة قال نعم هذه عشيرة كبيرة نخبوية، وكل من فيها ذوات وقادة رأي ولهم تاريخ، ولهم أموال ولهم امتيازات كبيرة.
قلت: وهل من عشائر أخرى؟ قال: نعم لا تعجل.
ثالثاً: هناك عشيرة (الرواوسة)، قلت: هذا اسم له أشباه في عشائرنا، قال: لا هناك فرق كبير حتى لو تشابهت بعض الحروف فاحذر من خلط الأنساب، قلت: استغفر الله…. قال: هذه عشيرة كبيرة اسمها جاء من القول الدارج في الفقه السياسي الخاص عند الأزمات وفي استضعاف الشعوب وهو (حط راسك بين الروس وقول يا قطَّاع الروس)، وعندها لا تشعر بالخطر ثم استدرك: وهذه العشيرة يطلق عليها البعض المتمدن (الحطاحطة) ومختارها يلقب بالحطحيط.
ثم قال لي: كأنك لست من أهل هذه البلاد ولا تعرف هذه العشائر؟ قلت: سامحني بالله عليك واستر علي، فبالرغم من أني ابن عشيرة تنتسب لقبيلة كبيرة لكن معلوماتي محدودة.
رابعاً: ومن عشائرنا عشيرة (الميم)، قلت ماذا؟ قال: عشيرة (الميم أو المَيامية)، وقال لا تسألني أنا اشرح لك، هذه عشيرة نحوية لها جذور في اللغة والفلسفة وعلم الاجتماع واسمها جاء من حرف الميم، وشعارها (احفظ الميم تحفظك)، قلت: كيف يستطيع هذا الحرف الواحد أن يحفظ من حفظه؟ قال: الميم يا أستاذ رمز فقط، الميم أول حرف فقط من الموضوع، إذا سألك أحد عن أي شيء، وما رأيك في أي شيء، وهل رأيت أي شيء، قل: مدري، ما شفته، ما قلت، مو معي، مين هو….. أي دائماً استخدم ميم الجهل والإنكار وخليك فهيم، حتى لو سألوك عن اسمك قل ما أدري، وإذا ألحوا عليك قل اسمي ميم وأبوي ميم وجدي ميم وهكذا… تسلم ويحفظك.
قلت يظهر أن هذه قبيلة مثالية وكما يقولون هم سكان الميم يعني المدينة الفاضلة، قال لي انتظر هذه قبيلة كبيرة أعدادها بالملايين وعشائرها كثيرة يصعب إحصاؤها، لا هي قليلة ولا ذليلة، واحنا نشوف الناس مثل (الفراشات) هذا إن شفناهم…. فاهم؟ قلت: فاهم.
خامساً: قال عندنا عشيرة اسمها (الوقايعة)، قلت له بعد ان استجمعت قواي الفكرية وثقافتي اللغوية أنا أعرف لماذا سميت بهذا الاسم، اظنهم تميزوا بتسجيل الوقائع والانتصارات والتفوق في النزاعات مع القبائل الأخرى.
فقال لا يا أستاذ؛ هذه عشيرة معظمها من منظرين ومفكرين بالفطرة، أو من تجارب الحياة المرة، قلت له: إذن هم الحكماء؟ قال: اقتربت من المعنى ولكن بشكل دقيق هؤلاء ليس لديهم تطلعات متقدمة للأمام ويرضون بالواقع كيفما كان، وأزيدك من الشعر بيتاً يكثر في هذه العشيرة العباد والزهاد والنَّساك والاولياء وهم من خيرة العشائر، وهم الذين قال عنهم الحكيم العربي:
حطّني يا عطا الله حطّني حطك الله.
وهم سد منيع أمام المتهورين الخياليين الذين يريدون تعكير صفو الاستقرار بالطموح الزائد، والداعين لتقليد قبائل أخرى في دول أجنبية يتساوى فيها شيخ القبيلة والمختار وأي عضو في العشيرة.
سادساً: وعندنا عشيرة معارضة حتى لا تفهم أننا عشيرة غير مسيسة، قلت: وما اسم هذه العشيرة؟ قال: عشيرة (البسابسة) قلت: نعم العرب تسمي أبناءها بأسماء الأسود والفهود والطيور وغيرها، لكن من أين جاءوا بهذا الاسم ما داموا معارضين وكيف ينطبق عليهم الاسم؟
قال: هؤلاء يعارضون ولكنهم يبسبسون في الحديث المعارض، فإن لم يفهم السامع لهم من حديثهم إلا القليل فالذنب ذنبه، وهذا النوع من الحديث عند العرب يسمى البسبسة ويصحبه إشارات وحركات بلا كلام.
قلت نعم العشيرة المعارضة ضرورية لأي شعب حتى يبقى ديمقراطياً حتى لو كانت (بسبسة كما تقول) والأمل كبير بهذه العشيرة، ثم قلت: والله هكذا المعارضة وإلا بلاها!!
سابعاً: والله عندنا عشيرة سامحني نسيتها وهم من خيرة عشائرنا اسمها عشيرة (الوسايطة)، قلت: يعني يتوسطوا بين الناس لحل مشكلاتهم، قال: لا ؛ هؤلاء يمسكون عصيّهم من الوسط وليس من الطرف وللأسف، فلا يهشون بها على أغنامهم لتسير، ولا يقربون لها ما علا من أوراق الأشجار، ولا يقتلون بها الأفاعي، ولا يتكئون عليها عند المشي في المناطق الوعرة، ولا يدفعون بها عدواً، وهكذا توارثوا هذه العادة عن أجدادهم ولا نعرف هذا السر، لكنهم على كل حال لا يَهشُّوا بعصيهم ولا يَنشُّوا والحمد لله، قلت: خير وهم من قبيلتكم؟ قال: نعم.
ثامناً:- قال لي أطلت عليك فنحن قبيلة كثيرة وعشائرها لا تحصى، ولمزيد من الشفافية وأنا صريح لدينا من عشائرنا عشيرة اسمها عشيرة (المجانين)، وإن كانوا هم لا يقبلون هذه التسمية ويسمون أنفسهم بأسماء أكبر منهم ونحن لا نفهمها، حتى بصراحة نخشى أنهم يرتبطون بقبائل أخرى غير قبيلتنا ولسنا متأكدين ان كانوا مدسوسين علينا – ولكن أخاف الله..
قلت ولماذا المجانين؟ قال: يا أخي هؤلاء من شدة جنونهم يدعون أنهم يرتبطون بعمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومصطفى صادق الرافعي، ويرددون كلمات غير مفهومة لا ندري هي إنسان أو حيوان أو حلويات أو فواكه ومنها (الديمقراطية)، ولا ندري من أين جاءوا بها وهي ليست من كلام العرب ونخاف أنها من لغة الجن..
فسألته: هل افراد هذه العشيرة يسرقون؟ قال: لا لا أبداً..
هل يغدرون بكم؟ قال: لا ما رأينا منهم شيئاً مريباً.
هل يحبون العشائر الأخرى؟ قال: اي والله نعم.
ثم قال لا تسألني؛ أكثرهم في الظاهر من أحسن الناس، ولو جلست معهم سحروك، لكننا نخشى منهم احتياطاً رغم أننا نعرفهم من عشرات السنين، ولا يكلوا ولا يملوا، ولهم أغانٍ خاصة منها:-
ولا يقيم على ذل يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد
ويدعون أنهم على علاقة مع عنترة بن شداد ويرددون:
لا تسقني كأس الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
أو:
حكم سيوفك في رقاب العُذل وإذا نزلت بدار ذل فارحل
والواحد محتار فيهم يا ليتهم يعقلوا مثل بقية العشائر ويبسبسوا، ويتواقعوا، ويتحاططوا، ويتراوسوا، ويتساحبوا، ويتماوموا حتى يتركونا نعيش مثل الدول الأوروبية المتقدمة بأمان.
وعندما هممت بالمغادرة قلت لهذا النسابة اسمح لي بسؤال أخير، قال تفضل وعذراً احنا ما أعطيناك حقك بالله عليك خليك عندنا حتى تأخذ قراك.
قلت: من قُوَّة إن شاء الله مشغول بس ما قلت ما اسم قبيلتكم المعظمة؟ قال: احنا قبيلة (احصد هوا وغمّر ماش)، ويوم ننتخي نقول احنا (اخوات المستبدة) وليس عندي وقت لشرح معنى (المستبدة)، وغذا شئت فاسأل عبد الرحمن الكواكبي.
وعندنا كتاب توارثناه يقول:-
– وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلاَّ أخانا.
– إنما العاجز من لا يستبد.
– إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
نظرت حولي فلم أجد من المعزين وأصحاب العزاء إلا أنا ومحدثي، وَدَّعته ولكن بعد أن سألته عن مضارب عشيرة (المجانين) لألتحق بهم بعد أن قال مستغرباً ومحذراً (دير بالك منهم يا رجل نصحتك وانت حر)، وقال هؤلاء (مش مِنَّا أبداً مش مِنَّا .. مش مِنَّا أبداً مش مِنَّا)، حتى أنساني أن أقول أعظم الله أجركم وأحسن عزاءكم وغفر لميتكم.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.