مهجَّرو الحرب… رهائن خلاف بين تركيا وروسيا وسوريا

0

 

الصيغ الملتوية التي تستخدم لوصف الجبهة السورية خلقت مفهومين يثيران السخرية: مناطق قليلة التصعيد ومناطق منزوعة السلاح. يدور الحديث عن مناطق في سوريا وافقت روسيا وإيران وتركيا على أن تقام فيها مناطق آمنة نسبياً، بحيث يستطيع داخلها مئات آلاف المهجرين أن يجدوا ملجأ من القصف والمواجهات العنيفة، أو على الأقل أن يبقوا على قيد الحياة إلى أن يتم إيجاد تسوية متفق عليها.
لكن التقارير الشديدة التي تصل من المناطق قليلة التصعيد في محافظة إدلب، التي يعيش فيها نحو 3 ملايين شخص وعشرات آلاف المتمردين المسلحين الذين تركزوا في مدينة إدلب ومحيطها، تدل على المسافة الكبيرة بين النوايا والواقع. في الأسبوع الأول من هذا الشهر هرب من المنطقة على الأقل 150 ألف مواطن (هناك تقديرات تقول إن العدد مضاعف) بسبب القصف الشديد للجيش السوري وسلاح الجو الروسي. هؤلاء المواطنين يحاولون إيجاد ملجأ في الغابات والكروم المجاورة للحدود مع تركيا. لا يوجد لعدد منهم بطانيات أو حُصر كي يضعوا عليها أغراضهم البسيطة، وعن مواقد الكاز والغاز من أجل الطبخ لا مجال للحديث، المواد الغذائية تصل بصعوبة.
حوالي 12 عيادة دمرت في القصف، عشرات الأشخاص قتلوا، مدارس أغلقت وثلاثة مستشفيات لا تعمل. المواطنون يتحدثون عن أنه كل يوم تحدث معارك محلية بين مليشيات المتمردين والجيش السوري في المناطق التي حددت كمناطق منزوعة السلاح. يبدو أن الحديث يدور عن معارك أخيرة، بقايا المقاومة المسلحة للمتمردين وجهود محدودة للنظام وحلفائه من أجل السيطرة على الإقليم الأخير الذي بقي تحت سيطرة المتمردين. في أيلول 2018 تم التوقيع على الاتفاق الذي فرض على تركيا إخلاء الإقليم من المليشيات المسلحة، وبالأساس من قوات «هيئة تحرير الشام» التي هي من أحفاد جبهة النصرة المتفرعة عن القاعدة.
تركيا التي ضغطت على روسيا وسوريا من أجل الامتناع عن معركة عسكرية شاملة، التي كان يمكن أن تخلق موجة كبيرة من اللاجئين الذين سيهربون إلى أراضيها، تعهدت بالعمل من أجل إبعاد السلاح والمتمردين المسلحين بالطرق الدبلوماسية، لكن التمديد الذي حصلت عليه لهذا الغرض انتهى قبل شهرين، والضغط الروسي والسوري تجدد بكل القوة.
تركيا تبذل الجهود للوفاء بتعهدها. ومن بين هذه الجهود تقوم بإغراق مقاتلي المليشيات بمخصصات شهرية تبلغ 100 دولار من أجل الانضمام إلى مليشياتها المنظمة في «لواء الشام». بسبب النقص الشديد في مصادر تمويل أخرى وافق كثير من المتمردين على هذا العرض وعدد منهم سلموا سلاحهم للقوات التركية. ولكن حتى الآن بقي عشرات آلاف المقاتلين غير المستعدين للتنازل عن مكانتهم المستقلة. عدد منهم، لا سيما رجال جبهة النصرة، خلقوا لأنفسهم مصادر رزق ثابتة على شكل ضرائب يجبونها من السكان الذين يوجدون تحت سيطرتهم، رسوم عبور في الحواجز التي تحيط بمحافظة إدلب وتفصل بينها وبين مناطق سيطرة الجيش السوري، السيطرة على بيع الوقود والمواد الأساسية ونهب البيوت.
في عدد من البلدات في المحافظة يتحدث السكان عن أعمال نهب يومية، وانقضاض على المارة والسرقة من البيوت تحت تهديد السلاح، إلى درجة أن الكثيرين يفضلون ترك منازلهم. في الوقت نفسه يحاول مقاتلون آخرون الانسحاب من المليشيات وإيجاد مكان عمل بديل. أحد السكان في المنطقة، علي الغالي، قال لموقع الأبحاث المستقلة «دراغ» إنه بعد ست سنوات من الخدمة في الجيش السوري الحر قرر تركه وفتح كراج صغير لغسل السيارات. عمله الجديد يدخل له 200 دولار شهرياً وهو مبلغ جيد نسبياً مقارنة بدخله من المليشيا، لكنه ما زال غير بعيد عن تلبية احتياجاته الأساسية.
مجموعة المواطنين هذه لا تحظى بتوفير الغذاء والدواء التي يمكن أن تصل من خلال منظمات دولية بسبب صعوبات المرور وخطر السطو الذي ينتظر القوافل. وضع هؤلاء المهجرين، أي المواطنين الذين تحولوا إلى رهائن في الخلاف ما بين تركيا، وروسيا وسوريا، لا يعني بشكل خاص متخذي القرارات في الأمم المتحدة والدول الغربية. المفارقة هي أن روسيا تطلب من الغرب تشجيع اللاجئين الموجودين على أراضيها على العودة إلى سوريا كجزء من عملية «التطبيع» واعتراف بأن الحرب في سوريا انتهت. عودة اللاجئين مهمة لسوريا وروسيا أيضاً من أجل تحريك عمليات إعادة الإعمار التي تحتاج القوة العاملة السورية.
ولكن الدول الأوروبية وتركيا غير متسرعة للاستجابة لهذا الطلب. وهي تشترط عودة اللاجئين بتأسيس نظام مستقر ومتفق عليه في سوريا، وبضمانات لأمن اللاجئين واتفاقات على طبيعة استثمار الأموال التي سيتم منحها لإعادة الإعمار. هذه الدول تصمم على أن أي حل سياسي يجب أن يستند إلى التوافقات التي تم التوصل إليها في مؤتمر جنيف في العام 2012، ويتم تطبيقها وفقاً لقرارات الأمم المتحدة التي اتخذت فيما بعد. روسيا وتركيا وإيران ترفض هذا الطلب وتتطلع إلى تطبيق اتفاقات مؤتمرات الأستانة التي وقعت عليها. ولكن هذه الاتفاقات لا تصمد في الاختبار العملي لأنها خلقت خلافاً بين تركيا وروسيا حول مكانة الأكراد في سوريا.
المهجرون السوريون في محافظة إدلب واللاجئون السوريون في أرجاء العالم ليس لهم في الوقت الحالي أي أمل بأنه يمكنهم العودة إلى بيوتهم. «أعطوهم حصراً وخياماً. وبالنسبة للغذاء نحن سنتدبر ذلك»، قالت امرأة وجدت مأوى لها في حقل زيتون. هي تستطيع فقط تعزية نفسها بأن شتاء آخر مر وأقبل الربيع الدافئ.

تسفي برئيل
هآرتس 13/5/2019

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.